صحيح ذلك، ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل، لكن هم الأذل المخرج، والله ورسوله الأعزّ المخرج.
والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده ممّا يحتمله بذكر متعلّقه.
ولم أر من أورد له مثالا من القرآن، وقد ظفرت بآية منه، وهي قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} [التوبة: 61] .
ومنها: التسليم، وهو أن يفرض المحال: إمّا منفيّا أو مشروطا بحرف الامتناع، لكون المذكور ممتنع الوقوع لامتناع وقوع شرطه، ثم يسلّم وقوع ذلك تسليما جدليّا، ويدلّ على عدم فائدة ذلك على تقدير وقوعه، كقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللََّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمََا كََانَ مَعَهُ مِنْ إِلََهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلََهٍ بِمََا خَلَقَ وَلَعَلََا بَعْضُهُمْ عَلى ََ بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] المعنى: ليس مع الله من إله، ولو سلم أنّ معه سبحانه وتعالى إلها لزم من ذلك التسليم ذهاب كلّ إله من الاثنين بما خلق، وعلوّ بعضهم على بعض، فلا يتمّ في العالم أمر، ولا ينفذ حكم ولا تنتظم أحواله والواقع خلاف ذلك، ففرض إلهين فصاعدا محال لما يلزم منه المحال.
ومنها: الإسجال، وهو الإتيان بألفاظ تسجّل على المخاطب وقوع ما خوطب به، نحو {رَبَّنََا وَآتِنََا مََا وَعَدْتَنََا عَلى ََ رُسُلِكَ} [آل عمران: 194] . {رَبَّنََا وَأَدْخِلْهُمْ جَنََّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ} [غافر: 8] فإنّ في ذلك إسجالا بالإيتاء والإدخال، حيث وصفا بالوعد من الله الذي لا يخلف وعده.
ومنها: الانتقال، وهو أن ينتقل المستدلّ إلى استدلال غير الذي كان آخذا فيه، لكون الخصم لم يفهم وجه الدلالة من الأوّل، كما جاء في مناظرة الخليل الجبار لمّا قال له:
{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] . فقال الجبّار: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} . ثم دعا بمن وجب عليه القتل فأعتقه، ومن لا يجب عليه فقتله، فعلم الخليل أنه لم يفهم معنى الإحياء والإماتة، أو علم ذلك وغالط بهذا الفعل، فانتقل عليه السلام إلى استدلال لا يجد الجبّار له وجها يتخلّص به منه، فقال: {فَإِنَّ اللََّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهََا مِنَ الْمَغْرِبِ}
[البقرة: 258] فانقطع الجبّار وبهت، ولم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق لأنّ من هو أسن منه يكذبه.
ومنها: المناقضة، وهي تعليق أمر على مستحيل، إشارة إلى استحالة وقوعه، كقوله تعالى: {وَلََا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيََاطِ} [الأعراف: 40] .
ومنها: مجاراة الخصم ليعثر: بأن يسلّم بعض مقدماته، حيث يراد تبكيته وإلزامه، كقوله تعالى: قََالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلََّا بَشَرٌ مِثْلُنََا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونََا عَمََّا كََانَ يَعْبُدُ آبََاؤُنََا فَأْتُونََا
بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ قََالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلََّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: 10، 11] الآية.