وأخرج ابن الأنباريّ، عن أبي بكر الصدّيق، قال: لأنّ أعرب آية من القرآن أحبّ إليّ من أن أحفظ آية [1] .
وأخرج أيضا عن عبد الله بن بريدة، عن رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: لو أني أعلم إذا سافرت أربعين ليلة أعربت آية من كتاب الله لفعلت [2] .
وأخرج أيضا من طريق الشعبيّ، قال: قال عمر: من قرأ القرآن فأعربه، كان له عند الله أجر شهيد.
قلت: معنى هذه الآثار عندي إرادة البيان والتفسير لأنّ إطلاق الإعراب على الحكم النحويّ اصطلاح حادث، ولأنّه كان في سليقتهم لا يحتاجون إلى تعلّمه، ثم رأيت ابن النقيب جنح إلى ما ذكرته، وقال: ويجوز أن يكون المراد الإعراب الصناعيّ وفيه بعد [3] .
وقد يستدلّ له بما أخرجه السّلفيّ في «الطيوريّات» من حديث ابن عمر، مرفوعا:
«أعربوا القرآن يدلّكم على تأويله» [4] .
وقد أجمع العلماء: أنّ التفسير من فروض الكفايات، وأجلّ العلوم الثلاثة الشرعية.
قال الأصبهانيّ: أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك: أنّ شرف الصناعة إمّا بشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدّباغة لأنّ موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدّباغة الّذي هو جلد الميتة. وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب، فإنّها أشرف من صناعة الكناسة لأنّ غرض الطب إفادة الصحّة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح.
وإما لشدّة الحاجة إليها كالفقه فإنّ الحاجة إليه أشدّ من الحاجة إلى الطبّ، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلّا وهي مفتقرة إلى الفقه لأنّ به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدّين، بخلاف الطب، فإنّه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات.
إذا عرف ذلك: فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث:
أمّا من جهة الموضوع: فلأنّ موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كلّ حكمة،
(1) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 348.
(2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف 6/ 116.
(3) انظر شعب الإيمان 2/ 429، والتذكار ص 1391370، والمنهاج في شعب الإيمان 2/ 237.
(4) رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حديث رقم (29916) 6/ 116موقوفا على ابن عمر بأوله فقط.