وقد قال الحاكم في المستدرك [1] : إنّ تفسير الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع.
وقال الإمام أبو طالب الطبريّ في أوائل تفسيره: القول في آداب المفسّر:
اعلم أنّ من شرطه صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنّة الدين، فإنّ من كان مغموصا عليه في دينه، لا يؤتمن على الدنيا، فكيف على الدين! ثم لا يؤتمن من الدين على الإخبار عن عالم، فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى، ولأنه لا يؤمن إن كان متّهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة ويغر الناس بليّه وخداعه، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة. وإن كان متّهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته، كدأب القدريّة، فإنّ أحدهم يصنّف الكتاب في التفسير، ومقصوده منه الإيضاع خلال المساكين، ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى.
ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعن أصحابه ومن عاصرهم، ويتجنّب المحدثات، وإذا تعارضت أقوالهم، وأمكن الجمع بينها فعل، نحو أن يتكلم على الصراط المستقيم وأقوالهم فيه ترجع إلى شيء واحد، فيأخذ منها ما يدخل فيه الجميع، فلا تنافي بين القرآن وطريق الأنبياء، فطريق السنّة وطريق النبي صلّى الله عليه وسلّم وطريق أبي بكر وعمر، فأيّ هذه الأقوال أفرده كان محسنا. وإن تعارضت ردّ الأمر إلى ما ثبت فيه السّمع، وإن لم يجد سمعا، وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدها رجّح ما قوي الاستدلال فيه،
(1) انظر معرفة علوم الحديث للحاكم ص 20والمستدرك 1/ 52212327، والتقييد والإيضاح ص 70، وفتح المغيث 1/ 144142، والجامع لأخلاق الراوي 2/ 294293، ونكت الحافظ ابن حجر 2/ 533530. وتعقّب الحافظ ابن حجر كلام الحاكم بقوله: «والحقّ أنّ ضابط ما يفسّره الصحابي رضي الله عنه إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع، وإلّا فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء، وعن الأمور الآتية:
كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار، والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها، فيحكم لها بالرفع
وأما إذا فسّر آية تتعلّق بحكم شرعي فيحتمل أن يكون ذلك مستفادا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعن القواعد، فلا يجزم برفعه.
وكذا إذا فسّر مفردا فهذا نقل عن اللسان خاصة، فلا يجزم برفعه، وهذا التحرير الذي حرّرناه هو معتمد كثير من كبار الأئمة كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعي، وأبي جعفر الطبري، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقي، وابن عبد البر في آخرين.
إلّا أنه يستثنى من ذلك ما كان المفسّر له من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من عرف بالنظر في الإسرائيليات كمسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وغيره، وكعبد الله بن عمرو بن العاص، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدّمنا ذكرها الرفع لقوة الاحتمال. والله أعلم. اهـ.