كاختلافهم في معنى حروف الهجاء، يرجّح قول من قال: إنها قسم [1] . وإن تعارضت الأدلة في المراد علم أنه قد اشتبه عليه، فيؤمن بمراد الله منها، ولا يتهجّم على تعيينه، وينزله منزلة المجمل قبل تفصيله والمتشابه قبل تبيينه.
ومن شرطه: صحة المقصد فيما يقول ليلقى التّسديد، فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا} [العنكبوت: 69] ، وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسّل به إلى غرض يصدّه عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله.
وتمام هذه الشرائط: أن يكون ممتلئا من عدّة الإعراب، لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام، فإنّه إذا خرج بالبيان عن وضع اللسان، إما حقيقة أو مجازا، فتأويله تعطيله.
وقد رأيت بعضهم يفسّر قوله تعالى {قُلِ اللََّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} [الأنعام: 91] : إنه ملازمة قول الله، ولم يدر الغبيّ أنّ هذه جملة حذف منها الخبر، والتقدير: الله أنزله. انتهى كلام أبي طالب.
وقال ابن تيمية في كتاب ألّفه في هذا النوع [2] :
«يجب أن يعلم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] يتناول هذا وهذا [3] .
وقد قال أبو عبد الرحمن السّلمي [4] : حدّثنا الّذين كانوا يقرءون القرآن كعثمان بن
(1) في حروف الهجاء أقوال كثيرة، والقول بأنها قسم ضعيف. وقد سبق تفصيل ذلك.
(2) هو مقدمة في أصول التفسير، انظرها ص 2318بتحقيقنا. وقد أفاد السيوطي من هذه الرسالة كثيرا في هذا المبحث، كما أشرت إلى هذا في المقدمة.
(3) قال البغوي في تفسيره 3/ 70: «أراد بالذكر: «الوحي، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم مبينا للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة» اهـ.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز 3/ 395: «وقوله: {لِتُبَيِّنَ} يحتمل أن يريد: لتبيّن بسردك نص القرآن ما نزل.
ويحتمل أن يريد لتبيّن بتفسيرك المجمل، وشرحك ما أشكل مما نزل، فيدخل في هذا ما بيّنته السنّة من أمر الشريعة، وهذا قول مجاهد، اهـ. وانظر روح المعاني 7/ 105، وتفسير الطبري 7/ 589، وتفسير ابن كثير 2/ 571.
(4) هو الإمام العلم، مقرئ الكوفة، عبد الله بن حبيب بن ربيعة الكوفي، من أولاد الصحابة، مولده في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 4/ 271267، والحلية 4/ 195191، وتاريخ بغداد 9/ 430.