ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللّفظ فيه محتملا للأمرين:
إما لكونه مشتركا في اللغة، كلفظ: {قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 51] الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد. ولفظ: {عَسْعَسَ} [التكوير: 17] الذي يراد به إقبال الليل وإدباره.
وإما لكونه متواطئا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشخصين، كالضمائر في قوله: {ثُمَّ دَنََا فَتَدَلََّى (8) } [النجم: 8] وكلفظ الفجر والشفع والوتر وليال عشر، وأشباه ذلك. فمثل هذا: يجوز أن يراد كلّ المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك.
فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين: فأريد بها هذا تارة، وهذا تارة. وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معناه. وإما لكون اللفظ متواطئا، فيكون عامّا إذا لم يكن لمخصصه موجب. فهذا النوع إذ صحّ فيه القولان كان من الصّنف الثاني.
ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبّروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم: {تُبْسَلَ} [الأنعام: 70] ب (تحبس) وبعضهم ب (ترتهن) لأنّ كلا منهما قريب من الآخر [1] .
ثم قال: فصل: والاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك. والمنقول: إمّا عن المعصوم أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره، ومنه ما لا يمكن ذلك وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامّته ممّا لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته: وذلك: كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف واسمه، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، وفي قدر سفينة نوح وخشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل، وما لا بأن نقل عن أهل الكتب ككعب [2] ووهب [3] وقف عن تصديقه وتكذيبه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حدّثكم أهل
(1) قال في معجم مقاييس اللغة 1/ 248: «الباء والسين واللام أصل واحد تتقارب فروعه، وهو المنع والحبس» اهـ. وانظر المفردات للراغب ص 4746، وأساس البلاغة ص 22.
(2) هو كعب بن ماتع الحميري اليماني، العلامة الحبر، الذي كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله تعالى عنه فجالس أصحاب النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب ويأخذ السنن. انظر سير أعلام النبلاء 3/ 494489، وتذكرة الحفاظ 1/ 49.
(3) هو وهب بن كامل بن سيج بن ذي كبار، وهو الأسوار الإمام، العلامة الأخباري القصصي، اليماني،