وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل: فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإنّ التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرزاق [1] ، والفريابيّ، ووكيع وعبد بن حميد، وإسحاق وأمثالهم:
أحدهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
والثاني: قوم فسّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلّم بالقرآن والمنزّل عليه والمخاطب به.
فالأولون: راعوا المعنى الّذي رأوه، من غير نظر إلى ما تستحقّه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.
والآخرون: راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز أن يريد به العربيّ، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلّم وسياق الكلام.
ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أنّ الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسّروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.
والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دلّ عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدلّ عليه ولم يرد به. وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول.
أحاديث يسيرة، اتصلت أسانيدها إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم من وجوه مرضيّة، وطرق واضحة جليّة.
وأما الكتب المصنّفة في تفسير القرآن، فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل بن سليمان
وأما المغازي فمن المشتهرين بتصنيفها وصرف العناية إليها محمد بن إسحاق المطلبي، ومحمد بن عمر الواقدي.
فأما ابن إسحاق فقد تقدّمت الحكاية عنه أنه كان يأخذ عن أهل الكتاب أخبارهم
وأما الواقدي فسوء ثناء المحدّثين عليه مستفيض، وكلام أئمتهم فيه طويل عريض
وليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة مع صغره، وخلوّه من أكثر ما يذكر في كتب غيره اهـ. وانظر المقاصد الحسنة ص 481، ومختصر المقاصد ص 209، والبرهان للزركشي 2/ 156 157.
(1) وهو مطبوع متداول بحمد الله تعالى، صدر عن مكتبة الرشد الرياض، ودار المعرفة بيروت.