لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنيّة، وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن فإنّ النظير يذكر بالنظير ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك، لما فيه من الإيهام والإلباس.
وقال النسفيّ في عقائده: النّصوص على ظاهرها، والعدول عنها إلى معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد.
قال التفتازاني في شرحه: سمّيت الملاحدة باطنيّة لادّعائهم أنّ النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان باطنيّة لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكليّة.
قال: وأمّا ما يذهب إليه بعض المحقّقين من أنّ النّصوص على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق، تنكشف على أرباب السلوك، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان، ومحض العرفان [1] .
وسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقينيّ عن رجل قال في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلََّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] : إنّ معناه: من ذلّ: أي من الذلّ. ذي: إشارة إلى النفس، يشف: من الشفا جواب (من) . ع: أمر من الوعي، فأفتى بأنه ملحد. وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيََاتِنََا لََا يَخْفَوْنَ عَلَيْنََا} [فصلت: 40] . قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه، أخرجه ابن أبي حاتم [2] .
فإن قلت: فقد قال الفريابيّ: حدّثنا سفيان، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال:
(1) قال الحافظ ابن قيم الجوزية في التبيان في أقسام القرآن ص 90: «وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول:
1 -تفسير على اللفظ: وهو الذي ينحو إليه المتأخرون.
2 -وتفسير على المعنى: وهو الذي يذكره السلف.
3 -وتفسير على الإشارة والقياس: وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم، وهذا لا بأس به بأربعة شرائط:
الأول: أن لا يناقض معنى الآية.
الثاني: وأن يكون معنى صحيحا في نفسه.
الثالث: وأن يكون في اللفظ إشعار به.
الرابع: وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.
فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنا.» اهـ.
(2) رواه الطبري في تفسيره 11/ 115.