{وَلَهُ الْجَوََارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلََامِ} [الرحمن: 24] والجامع فيهما: العظم، والفائدة: إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام في ألطف ما يكون من الماء، وما في ذلك من انتفاع الخلق بحمل الأثقال، وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة القريبة، وما يلازم ذلك من تسخير الرياح للإنسان. فتضمّن الكلام بناء عظيما من الفخر وتعداد النّعم. وعلى هذه الأوجه الخمسة تجري تشبيهات القرآن.
السادس: ينقسم باعتبار آخر إلى [1] :
مؤكّد: وهو ما حذفت فيه الأداة، نحو: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحََابِ} [النمل: 88] أي:
مثل مرّ السّحاب. {وَأَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] . {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمََاوََاتُ وَالْأَرْضُ}
[آل عمران: 133] .
ومرسل: وهو ما لم تحذف، كالآيات السابقة.
والمحذوف الأداة: أبلغ لأنه نزّل فيه الثاني منزلة الأوّل تجوّزا.
قاعدة: الأصل دخول أداة التشبيه على المشبّه به، وقد تدخل على المشبّه [2] .
إمّا لقصد المبالغة، فيقلب التشبيه، ويجعل المشبّه هو الأصل، نحو: {قََالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبََا} [البقرة: 275] كان الأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع، لأنّ الكلام في الرّبا لا في البيع، فعدلوا عن ذلك، وجعلوا الرّبا أصلا ملحقا به البيع في الجواز لأنّه الخليق بالحلّ.
ومنه قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لََا يَخْلُقُ} [النحل: 17] فإنّ الظاهر العكس، لأنّ الخطاب لعبدة الأوثان الذين سمّوها آلهة، تشبيها بالله سبحانه وتعالى، فجعلوا غير الخالق مثل الخالق، فخولف في خطابهم لأنّهم بالغوا في عبادتهم، وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة، فجاء الردّ على وفق ذلك.
وإما لوضوح الحال، نحو: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى ََ} [آل عمران: 36] فإنّ الأصل:
(وليس الأنثى كالذكر) . وإنّما عدل عن الأصل لأنّ المعنى: (وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت) . وقيل: لمراعاة الفواصل، لأنّ قبله: {إِنِّي وَضَعْتُهََا أُنْثى ََ} [آل عمران: 36] .
(1) انظر البرهان 3/ 429426.
(2) انظر البرهان 3/ 428426.