فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 626

والثاني: أنّ الماء إذا طبّقت عليه كفّك لتحفظه لم يحصل فيه شيء، فكذلك الدنيا.

وقوله: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكََاةٍ فِيهََا مِصْبََاحٌ} [النور: 35] الآية. فشبّه نوره الّذي يلقيه في قلب المؤمن بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة، إمّا بوضعه في مشكاة وهي الطاقة التي لا تنفذ، وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للبصر، وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة تشبه الكوكب الدريّ في صفائها، ودهن المصباح من أصفى الأدهان وأقواها وقودا، لأنه من زيت شجر في أوسط الزجاج، لا شرقيّة ولا غربيّة، فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل تصيبها الشمس أعدل إصابة.

وهذا مثل ضربه الله للمؤمن.

ثم ضرب للكافر مثلين: أحدهما: {كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ} والآخر: {كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} إلى آخره، وهو أيضا تشبيه تركيب [1] .

الثالث: ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام [2] :

أحدها: تشبيه ما تقع عليه الحاسّة بما لا تقع، اعتمادا على معرفة النقيض والضدّ، فإنّ إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسّة، كقوله: {طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّيََاطِينِ}

[الصافات: 65] ، شبّه بما لا يشكّ أنّه منكر قبيح، لما حصل في نفوس الناس من بشاعة صورة الشياطين، وإن لم ترها عيانا.

الثاني: عكسه، وهو تشبيه ما لا تقع عليه الحاسّة بما تقع عليه، كقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمََالُهُمْ كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ} [النور: 39] أخرج ما لا يحسّ وهو الإيمان إلى ما يحسّ وهو السراب، والمعنى الجامع: بطلان التوهّم، مع شدّة الحاجة وعظم الفاقة.

الثالث: إخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت، كقوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: 171] . والجامع بينهما الارتفاع في الصّورة.

الرابع: إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها، كقوله: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهََا كَعَرْضِ السَّمََاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21] . والجامع العظم، وفائدته: التّشويق إلى الجنّة بحسن الصفة وإفراط السّعة.

الخامس: إخراج ما لا قوّة له في الصفة إلى ما له قوّة فيها، كقوله تعالى:

(1) انظر البرهان 3/ 423422، والأمثال لابن القيم ص 198189.

(2) انظر البرهان 3/ 421.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت