الحسد، وغلب عليهم اللؤم حتى جرى منهم مجرى الدم من الجسد.
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
قوم غلب عليهم الجهل وطمّهم، وأعماهم حبّ الرئاسة وأصمّهم، قد نكبوا عن علم الشريعة ونسوه، وأكبّوا على علم الفلاسفة وتدارسوه يريد الإنسان منهم أن يتقدّم، ويأبى الله إلّا أن يزيده تأخيرا، ويبغي العزّ ولا علم عنده فلا يجد له وليا ولا نصيرا.
أتمشي القوافي تحت غير لوائنا ... ونحن على أقوالها أمراء
ومع ذلك فلا ترى إلّا أنوفا مشمّرة، وقلوبا عن الحق مستكبرة، وأقوالا تصدر عنهم مزورة، كلّما هديتهم إلى الحق كان أصمّ وأعمى لهم، كأنّ الله لم يوكّل بهم حافظين يضبطون أقوالهم وأعمالهم، فالعالم بينهم مرجوم يتلاعب به الجهال والصبيان، والكامل عندهم مذموم داخل في كفة النقصان.
وأيم الله، إنّ هذا لهو الزمان الذي يلزم فيه السكوت والمصير حلسا من أحلاس البيوت، وردّ العلم إلى العمل، لولا ما ورد في صحيح الأخبار: «من علم علما فكتمه ألجمه الله بلجام من نار» [1] . ولله در القائل:
ادأب على جمع الفضائل جاهدا ... وأدم لها تعجب القريحة والجسد
وأقصد بها وجه الإله ونفع من ... بلغته ممن جدّ فيها واجتهد
واترك كلام الحاسدين وبغيهم ... هملا فبعد الموت ينقطع الحسد
وأنا أضرع إلى الله جلّ جلاله، وعزّ سلطانه، كما منّ بإتمام هذا الكتاب أن يتمّ النعمة بقبوله، وأن يجعلنا من السابقين الأولين من أتباع رسوله، وألّا يخيّب أملنا فهو الجواد الذي لا يخيّب من أمّله، ولا يخذل من انقطع عمّن سواه وأمّله.
وصلّى الله على من لا نبي بعده، سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم، كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
(1) رواه أبو داود في سننه، حديث رقم (3658) 3/ 321. والترمذي، حديث رقم (2649) 5/ 29. وابن ماجة في سننه، حديث رقم (261) ، وأحمد في المسند 2/ 499495353344305263 508. والطيالسي في مسنده، حديث رقم (2534) ص 330. وابن حبان في صحيحه، حديث رقم (95) 1/ 297. والطبراني في المعجم الصغير 1/ 16211460. والحاكم في المستدرك 1/ 101.
والبغوي في شرح السنة، حديث رقم (140) 1/ 301. وسنده صحيح.