وأصل استعمال هذا الطريق أن يكون المخاطب جاهلا بالحكم وقد يخرج عن ذلك فينزّل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب، نحو: {وَمََا مُحَمَّدٌ إِلََّا رَسُولٌ} [آل عمران: 144] فإنّه خطاب للصحابة، وهم لم يكونوا يجهلون رسالة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنّه نزّل استعظامهم له عن الموت منزلة من يجهل رسالته، لأنّ كلّ رسول لا بدّ من موته فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته.
الثاني: (إنّما) [1] الجمهور على أنّها للحصر، فقيل: بالمنطوق، وقيل: بالمفهوم.
وأنكر قوم إفادتها إيّاه، منهم أبو حيّان. واستدلّ مثبتوه بأمور:
منها: قوله تعالى: {إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [البقرة: 173] بالنّصب فإنّ معناه:
ما حرّم عليكم إلّا الميتة. لأنه المطابق في المعنى لقراءة الرّفع فإنّها للقصر، فكذا قراءة النصب، والأصل استواء معنى القراءتين.
ومنها: أنّ (أنّ) للإثبات و (ما) للنفي، فلا بدّ أن يحصل القصر، للجمع بين النّفي والإثبات. لكن تعقّب بأن (ما) زائدة كافّة، لا نافية.
ومنها: أنّ (إنّ) للتأكيد، و (ما) كذلك، فاجتمع تأكيدان، فأفادا الحصر. قاله السكّاكيّ وتعقب: بأنه لو كان اجتماع تأكيدين يفيد الحصر لأفاد نحو: (إنّ زيدا لقائم) .
وأجيب: بأنّ مراده: لا يجتمع حرفا تأكيد متواليان إلّا للحصر.
ومنها: قوله تعالى: {قََالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللََّهِ} [الأحقاف: 23] . {قََالَ إِنَّمََا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللََّهُ} [هود: 33] . {قُلْ إِنَّمََا عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي} [الأعراف: 187] فإنّه إنما تحصل مطابقة الجواب إذا كانت إنّما للحصر، ليكون معناها: (لا آتيكم به إنما يأتي به الله، ولا أعلمها إنّما يعلمها الله) . وكذا قوله: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولََئِكَ مََا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النََّاسَ} [الشورى: 41، 42] . {مََا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} إلى قوله: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيََاءُ} [التوبة: 9391] . {وَإِذََا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قََالُوا لَوْلََا اجْتَبَيْتَهََا قُلْ إِنَّمََا أَتَّبِعُ مََا يُوحى ََ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي} [الأعراف: 203] . {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمََا عَلَيْكَ الْبَلََاغُ} [آل عمران: 20] ولا يستقيم المعنى في هذه الآيات ونحوها إلّا بالحصر.
وأحسن ما تستعمل (إنما) في مواقع التعريض، نحو: {إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبََابِ}
[الرعد: 19] .
(1) انظر البرهان 4/ 231.