الكلم» [1] .
وقال الطيبيّ في «التبيان» : الإيجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام:
أحدها: إيجاز القصر: وهو أن يقصر اللفظ على معناه، كقوله: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمََانَ}
إلى قوله: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 30، 31] . جمع في أحرف العنوان والكتاب والحاجة.
وقيل في وصف بليغ: كانت ألفاظه قوالب معناه.
قلت: وهذا رأي من يدخل المساواة في الإيجاز.
الثاني: إيجاز التقدير: وهو أن يقدّر معنى زائدا على المنطوق، ويسمّى بالتضييق أيضا، وبه سمّاه بدر الدّين بن مالك في «المصباح» ، لأنّه نقص من الكلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه، نحو: {فَمَنْ جََاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى ََ فَلَهُ مََا سَلَفَ} [البقرة: 275] أي: خطاياه غفرت، فهي له لا عليه. {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] أي: للضّالين الصائرين بعد الضلال إلى التقوى.
الثالث: الإيجاز الجامع: وهو أن يحتوي اللفظ على معان متعدّدة، نحو: {إِنَّ اللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسََانِ} [النحل: 90] الآية فإنّ العدل: هو الصراط المستقيم، المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، المومى به إلى جميع الواجبات في الاعتقاد والأخلاق والعبودية. والإحسان: هو الإخلاص في واجبات العبودية، لتفسيره في الحديث بقوله:
«أن تعبد الله كأنّك تراه» [2] أي: تعبده مخلصا في نيّتك، وواقفا في الخضوع، آخذا أهبة الحذر إلى ما لا يحصى. {وَإِيتََاءِ ذِي الْقُرْبى ََ} هو الزّيادة على الواجب من النوافل. هذا في الأوامر. وأمّا النواهي: فبالفحشاء: الإشارة إلى القوة الشهوانية، وبالمنكر: إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضبية أو كل محرّم شرعا، وبالبغي: إلى الاستعلاء الفائض عن الوهمية.
قلت: ولهذا قال ابن مسعود: ما في القرآن آية أجمع للخير والشرّ من هذه الآية
(1) رواه البخاري (7273701369982977) ، ومسلم (523) ، والنسائي 6/ 43، وأحمد 2/ 502501455314268264، وابن حبان (6363) ، والبيهقي في الدلائل 5/ 470145 471، وفي السنن 7/ 48، وفي شعب الإيمان 1/ 161، والبغوي (3618) .
(2) رواه مسلم (8) ، وأبو داود (469746964695) ، والترمذي (2610) ، والنسائي 8/ 10197، وابن ماجة (63) ، والبخاري في خلق أفعال العباد ص 3837، والدارقطني 2/ 283282، وابن حبان (16) موارد. وانظر تفصيل طرقه وتخريجه في تخريجنا لسنن ابن ماجة.