فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 626

وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام.

وقوله تعالى: {وَفِيهََا مََا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف: 71] قال بعضهم: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه.

وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصََاصِ حَيََاةٌ} [البقرة: 179] فإنّ معناه كثير ولفظه قليل، لأنّ معناه: أنّ الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا إلى ألّا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياة لهم. وقد فضّلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى، وهو قولهم: (القتل أنفى للقتل) بعشرين وجها أو أكثر، وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال: لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك.

الأول: أنّ ما يناظره من كلامهم، وهو قوله: (القصاص حياة) ، أقلّ حروفا، فإنّ حروفه عشرة، وحروف: (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر.

الثاني: أنّ نفي القتل لا يستلزم الحياة، والآية ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه.

الثالث: أنّ تنكير (حياة) يفيد تعظيما، فيدلّ على أنّ في القصاص حياة متطاولة، كقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النََّاسِ عَلى ََ حَيََاةٍ} [البقرة: 96] ولا كذلك المثل، فإنّ اللام فيه للجنس ولذا فسّروا الحياة فيها بالبقاء.

الرابع: أن الآية فيه مطّردة، بخلاف المثل فإنه ليس كلّ قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما، وإنما ينفيه قتل خاصّ وهو القصاص، ففيه حياة أبدا.

الخامس: أنّ الآية خالية من تكرار لفظ: (القتل) الواقع في المثل، والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه، وإن لم يكن مخلا بالفصاحة.

السادس: أنّ الآية مستغنية عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم فإنّ فيه حذف (من) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها. وحذف (قصاصا) مع القتل الأوّل، (وظلما) مع القتل الثاني، والتقدير: القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه.

السابع: أنّ في الآية طباقا، لأنّ القصاص مشعر بضد الحياة، بخلاف المثل.

الثامن: أنّ الآية اشتملت على فنّ بديع، وهو جعل أحد الضّدّين الذي هو الفناء والموت محلا ومكانا لضدّه، الذي هو الحياة، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، ذكره في الكشّاف (1) ، وعبر عنه صاحب الإيضاح: بأنّه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال (في) عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت