فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 626

ونعت وسمّى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقصّ من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان لجفّت الأقلام. وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف، وفي «العجائب» للكرماني: أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية، بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم، فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها، وحسن نظمها، وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال.

وقوله تعالى: {يََا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ} [النمل: 18] الآية، جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام: نادت، وكنّت، ونبّهت، وسمّت، وأمرت، وقصّت، وحذّرت، وخصّت، وعمّت، وأشارت، وعذرت. فالنداء: (يا) ، والكناية: (أيّ) ، والتنبيه: (ها) ، والتسمية: {النَّمْلِ} ، والأمر: {ادْخُلُوا} ، والقصص: {مَسََاكِنَكُمْ} ، والتحذير: {لََا يَحْطِمَنَّكُمْ} ، والتخصيص:، والتعميم: {جُنُودُهُ} ، والإشارة:

{وَهُمْ} ، والعذر: {لََا يَشْعُرُونَ} . فأدّت خمسة حقوق: حقّ الله، وحقّ رسوله، وحقّها، وحقّ رعيّتها وحقّ جنود سليمان.

وقوله: {يََا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] الآية، جمع فيها أصول الكلام: النداء، والعموم، والخصوص، والأمر، والإباحة، والنهي، والخبر.

وقال بعضهم: جمع الله الحكمة في شطر آية: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلََا تُسْرِفُوا}

[الأعراف: 31] .

وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنََا إِلى ََ أُمِّ مُوسى ََ أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] الآية، قال ابن العربيّ [1] : هي من أعظم آي في القرآن فصاحة، إذ فيها أمران ونهيان وخبران وبشارتان.

وقوله: {فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] قال ابن أبي الإصبع: المعنى: صرّح بجميع ما أوحي إليك، وبلغ كلّ ما أمرت ببيانه، وإن شقّ بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت. والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبّض والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة، فانظر إلى جليل هذه الاستعارة، وعظم إيجازها، وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة. وقد حكي أنّ بعض الأعراب لمّا سمع هذه الآية سجد

(1) انظر أحكام القرآن، وتفسير القرطبي 13/ 225ونقله عن جارية تكلمت مع الأصمعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت