فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 626

قال ابن هشام: جرت عادة النحويين أن يقولوا بحذف المفعول اختصارا واقتصارا، ويريدون بالاختصار الحذف لدليل، ويريدون بالاقتصار الحذف لغير دليل، ويمثّلونه بنحو:

{كُلُوا وَاشْرَبُوا} [الطور: 19] أي: أوقعوا هذين الفعلين، والتحقيق أن يقال يعني كما قال أهل البيان:

تارة يتعلق الغرض بالإعلام بمجرّد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه، ومن أوقع عليه، فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عام، فيقال: حصل حريق أو نهب.

وتارة يتعلق بالإعلام بمجرّد إيقاع الفعل للفاعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول ولا ينوى، إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمّى محذوفا لأنّ الفعل ينزّل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له.

ومنه: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] ، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لََا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] ، {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلََا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] ، {وَإِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ}

[الإنسان: 20] إذ المعنى: ربّي الذي يفعل الإحياء والإماتة. وهل يستوي من يتّصف بالعلم ومن ينتفي عنه العلم؟ وأوقعوا الأكل والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية.

ومنه: {وَلَمََّا وَرَدَ مََاءَ مَدْيَنَ} [القصص: 23] الآية، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام رحمهما إذ كانتا على صفة الذّياد وقومهما على السقي، لا لكون مذودهما غنما وسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من: {لََا نَسْقِي} السقي لا المسقيّ. ومن لم يتأمّل قدّر (يسقون إبلهم) و (تذودان غنمهما) ، و (لا نسقي غنما) .

وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله، وتعليقه بمفعوله فيذكران، نحو: {لََا تَأْكُلُوا الرِّبَوا} [آل عمران: 130] ، {وَلََا تَقْرَبُوا الزِّنى ََ} [الإسراء: 32] وهذا النّوع الذي إذا لم يذكر محذوفه قيل: محذوف.

وقد يكون في اللّفظ ما يستدعيه، فيحصل الجزم بوجوب تقديره، نحو: {أَهََذَا الَّذِي بَعَثَ اللََّهُ رَسُولًا} [الفرقان: 41] ، {وَكُلًّا وَعَدَ اللََّهُ الْحُسْنى ََ} [النساء: 95] .

وقد يشتبه الحال في الحذف وعدمه، نحو: {قُلِ ادْعُوا اللََّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمََنَ}

[الإسراء: 110] . قد يتوهّم أنّ معناه (نادوا) فلا حذف، أو (سموا) فالحذف واقع.

ذكر شروطه، هي ثمانية:

أحدها: وجود دليل: إما حالي، نحو: {قََالُوا سَلََامًا} [هود: 69] أي: سلّمنا سلاما.

أو مقاليّ، نحو: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا خَيْرًا} [النحل: 30] أي: أنزل خيرا.

{قََالَ سَلََامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الذاريات: 25] أي: سلام عليكم، أنتم قوم منكرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت