لأنه ليس اختياريا، بخلاف المراودة، للقدرة على دفعها.
وتارة يدلّ عليه التصريح به في موضع آخر، وهو أقواها، نحو: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللََّهُ} [البقرة: 210] . أي: أمره، بدليل: {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33] {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمََاوََاتُ} [آل عمران: 133] أي: كعرض، بدليل التصريح به في آية الحديد.
{رَسُولٌ مِنَ اللََّهِ} [البينة: 2] أي: من عند الله، بدليل: {وَلَمََّا جََاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللََّهِ}
[البقرة: 101] [1] .
ومن الأدلّة على أصل الحذف العادة، بأن يكون العقل غير مانع من إجراء اللفظ على ظاهره من غير حذف، نحو: {لَوْ نَعْلَمُ قِتََالًا لَاتَّبَعْنََاكُمْ} [آل عمران: 167] أي: مكان قتال، والمراد مكانا صالحا للقتال، وإنّما كان كذلك لأنّهم كانوا أخبر الناس بالقتال، ويتعيّرون بأن يتفوّهوا بأنهم لا يعرفونه، فالعادة تمنع أن يريدوا: (لو نعلم حقيقة القتال) فلذلك قدّره مجاهد (مكان قتال) [2] . ويدل عليه: أنّهم أشاروا على النّبي صلّى الله عليه وسلّم ألّا يخرج من المدينة [3] .
ومنها الشروع في الفعل، نحو: (بسم الله) فيقدر ما جعلت التسمية مبدأ له فإن كانت عند الشروع في القراءة قدّرت (أقرأ) ، أو الأكل قدّرت (آكل) . وعلى هذا أهل البيان قاطبة، خلافا لقول النّحاة أنه يقدّر (ابتدأت) أو (ابتدائي) كائن (بسم الله) . ويدل على صحّة الأوّل: التصريح به في قوله: {وَقََالَ ارْكَبُوا فِيهََا بِسْمِ اللََّهِ مَجْرََاهََا وَمُرْسََاهََا}
[هود: 41] وفي حديث: «باسمك ربّي وضعت جنبي» [4] .
ومنها: الصناعة النحويّة، كقولهم في: {لََا أُقْسِمُ} [القيامة: 1] التقدير (لأنا أقسم) لأنّ فعل الحال لا يقسم عليه. وفي: {تَاللََّهِ تَفْتَؤُا} [يوسف: 85] التقدير: (لا تفتأ) لأنه لو كان الجواب مثبتا دخلت اللّام والنّون، كقوله: {وَتَاللََّهِ لَأَكِيدَنَّ} [الأنبياء: 57] .
وقد توجب الصناعة التقدير، وإن كان المعنى غير متوقّف عليه، كقولهم في:
(1) انظر التعليق السابق للأهمية.
(2) انظر تفسير الطبري 3/ 511، روي عن مجاهد قوله: لو نعلم أنا وجدنا معكم قتالا، لو نعلم مكان قتال لاتبعناكم.
(3) انظر تفسير الطبري 3/ 511510.
(4) رواه البخاري (73936320) ، ومسلم (2714) ، وأبو داود (5050) ، والترمذي (3401) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة (794791) ، والبخاري في الأدب المفرد (1217) ، وأحمد 2/ 295283 432422، وعبد الرزاق (19830) ، وابن حبان في صحيحه (55355534) .