وكذلك، ومن باب أولى، فإنه لا يمكن كشف حقيقة الرؤى، ولا التعامل الصحيح معها بناء على وجهات نظر فلسفية أو شطحات فكرية.
وهكذا، فإن محاولة فهم الرؤى اعتمادًا على العلم التجريبي أو الفلسفة هي محاولات غير موثوق بها غالبًا.
ومن هنا، وطالما أن الإنسان قد عجز عن إدراك حقيقة الرؤى سواء بحواسه أو بعقله، فلم يَبقَ أمامه إلَّا اللجوء إلى الديانات السماوية؛ لكي يصل إلى تفسير بشأن هذه الظاهرة الغيبية.
وعلى الرغم من ذكر الرؤى في اليهودية والنصرانية، إلَّا أن ما جاء عنها فيهما غير كافٍ لتفسير هذه الظاهرة بشكل واضح. وكذلك، فقد أضاف تحريف مصادر هاتين الديانتين المزيد من التعقيد إلى المسألة، فأصبح الاعتماد عليهما في فهم حقيقة الرؤى أمرًا لا يمكن أن يؤدي إلى النتيجة المطلوبة.
أمَّا الإسلام، فبالإضافة إلى أنه الدين السماوي الوحيد الذي حُفظت مصادره من التحريف، فقد أولى عناية فائقة ومميَّزة بالرؤى. فالرؤى في الإسلام جزء من العقيدة، وأساس من أسس التدين والصلة بين الله (سبحانه وتعالى) وبين المسلم. ومن الثابت في المصادر الإسلامية الصحيحة (القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة) أن للرؤى معاني مهمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة المسلم في الدنيا والآخرة. وكذلك، فلا جدال في أن أصول الإسلام لا تخلو من حض على تفسير الرؤى، بما يتطلبه ذلك من البحث في أحوالها، والاجتهاد في تقعيد علم تفسيرها.
وانطلاقًا من هذه المكانة العظيمة للرؤى في الإسلام، فقد عكف العلماء المسلمون في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية على دراسة وتحليل الرؤى، واستنباط قواعد تفسيرها.