بفضل الله (تعالى) وكرمه (سبحانه) على خير أفضل مما يتوقعه. وهذا هو شأن المولى الكريم (سبحانه وتعالى) مع عباده المسلمين الموحدين الصالحين.
وكذلك ينبغي للمسلم - بعد أن أدرك ما قد يكون لتفسير الرؤى من خطورة - أن يحرص على ألا يقص رؤياه إلا على عالِم أو حبيب كما علَّمنا النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) .
ولعل هذا هو أفضل وأشمل ما قيل في هذه المسألة، ولعل هذا القول يكون حلًا لإشكالات كثيرة في تفسير الرؤى لم تستطع الأقوال الأخرى حلها.
والله (تعالى) أعلم. [1]
(1) حاشية السؤال الرابع والخمسين بعد المائة:
احتدم الجدال بين الذين قالوا بأن التفسير الأول للرؤيا هو الذي يتحقق يقينًا وبين الذين قالوا أنه لا يتحقق بالضرورة، فنذكر هنا جانبًا آخر منه.
فبالإضافة إلى الحجج المذكورة في إجابة السؤال، فقد احتج فريق القول الأول بقول الله (تعالى) على لسان يوسف (عليه السلام) عندما فسر الرؤييين لصاحبيه في السجن: {قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف:41] ؛ أي أن تفسير الرؤييين قد أصبح واقعًا لا محالة بمجرد أن فسرهما لهما يوسف (عليه السلام) .
بينما احتج فريق القول الثاني بما ذهب إليه بعض المفسرين لقول الله (تعالى) : {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف:42] ، بأن كلمة ظن في الآية الكريمة تشير إلى أن تفسير الرؤيا هو عملية تخضع للاحتمال، وأن وقوع تفسيرها هو مسألة ظنيَّة، وليست يقينية.
فَرَدَّ الفريق الأول عليهم بأن كلمة ظن في الآية السابقة إنما تعني عَلِم وأيقن كما أشار إلى ذلك عدد من المفسرين، فهو (عليه السلام) قد أيقن أن التفسير واقع، وليس ظنًّا.
فَرَدَّ الفريق الثاني عليهم بأن المقصود بقول الله (تعالى) : {قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} ليس بالضرورة يعني أن تفسير الرؤيا واقع لا محالة، بل قد يكون فيه إشارة إلى انتهاء الكلام، أي كأنه (عليه السلام) يريد أن يقول لهما: تمت الإجابة على سؤاليكما.
فَرَدَّ الفريق الأول بأنه قد جاء عن عبد الله بن مسعود (رضي الله تعالى عنه) أنه قال: «الفتيان الذان أتيا يوسف (عليه الصلاة والسلام) في الرؤيا إنما كانا تكاذبا، فلما أوَّل رؤياهما قالا: إنا كنا نلعب، قال يوسف: قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان» (أثر صحيح - رواه الحاكم في المستدرك) .
وقد أورد بعض المفسرين هذا الكلام بلفظ آخر كما جاء في تفسير البغوي وغيره: «قال ابن مسعود: لما سمعا (أي الفتيان) قول يوسف، قالا: ما رأينا شيئًا، إنما كنا نلعب، قال يوسف: {قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} ؛ أي فُرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما الذي أخبرتكما به، رأيتُما أم لم تَرَيا» .
فرد الفريق الثاني أنه حتى ولو كان هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود (رضي الله تعالى عنه) صحيحًا، فلعل يوسف (عليه السلام) أخبرهما بما سوف يقع لهما يقينًا بناء على وحي أوحاه الله (تعالى) له، وليس بناء على تفسير رؤيا فقط؛ لأن الأنبياء لا يفتون الناس إلا بوحي من الله (تعالى) .
والله (تعالى) أعلم بالصواب.