ومن أهم أمثلة هذه القاعدة في تفسير الرؤى، وكذلك، فهو أهم دليل على صحتها، هو ما جاء في الأثر أنه قد «مرَّ صُهيبٌ بأبي بكر الصِّديق (رضي الله تعالى عنه) ، فأعرض عنه (أي أعرض صُهيب عن أبي بكر) ، فقال أبو بكر له: «مالَكَ أعْرَضتَ عني، أبلغك شيء تكرهه؟» ، قال: «لا، والله إلَّا الرؤيا رأيتها لك كرهتها» ، قال: «وما رأيت؟» ، قال: «رأيت يدك مغلولة إلى عنقك على باب رجل من الأنصار يُقال له أبو الحَشر» ، فقال أبو بكر: «نِعمَ ما رأيت، جُمِعَ لي ديني إلى يوم الحَشر» (أثر صحيح - فتح الباري) .
ومعنى الأثر أنَّ صُهيبًا قد رأى رؤيا في سيدنا أبي بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه وأرضاه) أنَّ يده الشريفة مغلولة إلى عنقه على باب بيت رجل من الأنصار اسمه «أبو الحشر» ، ففسر صهيب هذه الرؤيا التفسير العادي، حيث يدل المعنى الظاهر منها على إلحاق صفة البُخل المذمومة بالرائي؛ لقول الله (عزَّ وجلَّ) : {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] ، إلَّا أنَّ أبا بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) قد قَلَبَ معنى هذا هذا الرمز من سيء ظاهر إلى خير باطن، ففسَّره على معنى الخير رغم السوء الواضح في ظاهره.
وبتحليل هذا الأثر، وتطبيق الشروط السابقة لقلب معنى رمز الرؤيا، يتبين لنا الآتي:
1.أن من رؤيت له الرؤيا صالح صلاحًا يقينيًا معلومًا.
2.أن الرائي ليس بخيلًا، فهو لا يرتكب في الواقع الشر الذي قد يدل عليه رمز الرؤيا.
3.أن الرؤيا قد ورد فيها رمز خير يُرجِّح ضرورة قلب تفسير الرمز الآخر السيء إلى معنى الخير، وهو وقوف سيدنا أبي بكر الصديق على باب رجلٍ من الأنصار، وهم الذين شهد لهم الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) بالصلاح في قوله: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (رواه البخاري) . فوجود بيت هذا الرجل الصالح في الرؤيا علامة قد تؤكد صحة قلب معنى الرمز السيء في الرؤيا إلى معنى الخير.
والله (تعالى) أعلم.