بالمائة، حتى ولو كنت تستطيع ترجيح تفسير معين عن غيره بقوة.
والله (تعالى) أعلم. [1]
(1) حاشية السؤال السابع عشر:
جاء في القرآن الكريم ما يدل على أن الغيب أو المستقبل لا يعلمه يقينًا إلا الله (سبحانه وتعالى) ، فيقول الله (عزَّ وجلَّ) : {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان:34] .
وكذلك، يقول (جلَّ جلاله) : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:188] .
وكذلك، يقول (تبارك وتعالى) : {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام:50] .
وكذلك، يقول (العليم الحكيم) : {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) } [سورة الجن] .
وكذلك، قال (سبحانه) : {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل:65]
وكذلك، يقول (تقدست أسماؤه) : {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَاكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ:14] .
ولكن قد يقول قائل مثلًا أنه يعرف أنه سيخرج لعمله غدًا في الصباح؛ ولذلك يستعد بالنوم مبكرًا، وضبط جهاز التنبيه لإيقاظه في ساعة معينة.
وقد يقول آخر أنه يعرف أنه سيسافر بعد شهر؛ ولذلك يستعد بتجهيز الأوراق، وتحضير الأمتعة.
أفلا يعتبر ذلك علم بالغيب أو المستقبل؟
والجواب: أن هذا ليس علمًا بالمستقبل، بل هو ظن، أو توقع، أو ترجيح لما يمكن أن يحدث في المستقبل بناء على ما يحدث في الحاضر.
ولكن لا يستطيع الإنسان أن يضمن مائة في المائة أبدًا أن ما توقعه للمستقبل سوف يحدث فعلًا؛ لأن مشيئة الله (سبحانه وتعالى) نافذة، وقد يُقدِّر الله (تعالى) ويقضي شيئًا مختلفًا تمامًا عن هذه التوقعات والترجيحات المستقبلية للإنسان، وكما يقول الله (عزَّ وجلَّ) : {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان:30] .
ولهذا نقول أن الغيب اليقيني لا يعلمه إلا الله (سبحانه وتعالى) وحده لا شريك له، أما الغيب الظني فيمكن أن «يعلمه» أو يتوقعه الإنسان.
واقرأ قول الله (تعالى) في شأن هذا النوع من معرفة المستقبل: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) } [سورة الكهف] .
أما الرؤيا، فإنها قد تخبر بأمور الغيب والمستقبل، إلا أن الظن يدخل في تفسيرها، فلا يصل هذا الإخبار إلى درجة اليقين الكامل أبدًا، حتى ولو تَرَجَّح حدوث هذا التفسير بقوة، وحتى وإن كان الرائي مسلمًا صالحًا صادقًا. فهو على الرغم من أن الغالب على رؤاه الصدق، إلا أنه لا يستطيع أن يضمن تمامًا أن كل رؤاه صادقة لا يدخلها الكذب. فالنبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) يقول: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب» (حديث صحيح - رواه الترمذي) ؛ أي أن أغلبها صادق، وليست كلها بالضرورة.
وكذلك، فإن تفسير الرؤى يُحتمل فيه الخطأ؛ نظرًا لأن الشخص قد لا يستطيع إن يدرك إن كانت الرؤيا مباشرة أم مرموزة.
فمثلًا: نفترض أن مسلمًا قد رأى صديقه في رؤيا، فربما لا يستطيع تحديد ما إذا كان المقصود بصديقه هو صديقه نفسه، أم أن هذا الصديق هو مجرد رمز لشيء أو شخص آخر. وكذلك، فقد يكون لمعنى الرمز الواحد في الرؤيا أكثر من احتمال، وهذا كثير، أو قد يكون للرمز معنى صعب غامض بحيث يعجز الشخص حينئذ عن تحديد هذا المعنى بدقة.
ويمكن تشبيه غالبية الرؤى الرمزية التي تخبر بأحداث المستقبل بلوح زجاجي، بينما يمكن تشبيه درجة الاحتمال والغموض في معناها بدرجة معينة من العتمة في هذا الزجاج، أما الغيب أو المستقبل، فهو ما وراء هذا الزجاج، يسعى الشخص لمعرفته من خلال تدقيق النظر في داخل هذا الزجاج.
والله (تعالى) أعلم.