(تعالى) .
وبناء على ما سبق، فإن إطلاق تعبير «رؤيا الله (عزَّ وجلَّ) » على هذا النوع من الرؤى هو على سبيل المجاز، بينما الصواب هو أن نقول: «رؤيا ما يدل على الله (عزَّ وجلَّ) » .
والله (تعالى) أعلم. [1]
(1) حاشية السؤال السابع والعشرين:
من أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة (عقيدة أهل السنة والجماعة) أن الإنسان لا يستطيع أن يتعامل مع الله (تعالى) بشكل مباشر في الدنيا سواء بالرؤية، أو الكلام، أو ما شابه ذلك، يقول الله (سبحانه وتعالى) : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى:51] .
وكذلك، عندما طلب موسى (عليه السلام) أن يرى الله (عزَّ وجلَّ) ، قال له الله (تبارك وتعالى) : {لَن تَرَانِي} [الأعراف:143] .
وكذلك، يقول النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) : «تعلَّموا أنه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه (عزَّ وجلَّ) حتى يموت» (رواه مسلم) .
وحديثي في هذه النقطة يختص بالأشخاص العاديين فقط من دون الأنبياء، والذين قد تحدث استثناءات من هذه القاعدة لبعضهم، كما كلَّم الله (تعالى) موسى (عليه السلام) .
ومن أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة أيضًا أنه لا يوجد أي تشابه بين الله (عزَّ وجلَّ) وبين مخلوقاته، فهو (سبحانه وتعالى) غير جميع المخلوقات، يقول الله (جلَّ جلاله) : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] ، ويقول (سبحانه وتعالى) : {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] .
رؤيا الله (عزَّ وجلَّ) (أو رؤيا ما يدل على الله سبحانه وتعالى) في المنام هي مما يُحتمل أن يراه النائم. وقد جاء عن النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنه قال: «إنِّي نَعَسْتُ فاستَثقَلتُ نومًا فرأيت ربِّي في أحسن صورة» (حديث صحيح - رواه الترمذي) .
وكذلك، قوله (صلَّى الله عليه وسلَّم) : «إنِّي قمت من الليل فتوضَّأت فصلَّيتُ ما قُدِّر لي فنَعَست في صلاتي فاستَثقَلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة» (حديث صحيح - رواه الترمذي) .
وكذلك، جاء في نفس الحديث السابق: «فرأيتُهُ وَضَعَ كفَّه بين كَتِفَيَّ حتَّى وَجَدتُ بَردَ أنامِلِهِ بين ثَديَيَّ» ؛ والمقصود بـ «فرأيُتُه» : أي رأيت الله (سبحانه وتعالى) في الرؤيا.
ولا يُفهم من هذه الأحاديث السابقة نفي أو تأكيد كون النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) قد رأى الله (تعالى) حقًا في المنام، فهذا مما لا أخوض فيه، والله (تعالى) أعلم به، ولكن أستدل بما سبق من الحديث على إمكانية رؤيا رمز حسِّي في المنام للدلالة على الله (تعالى) للمسلم العادي من دون الأنبياء؛ لأن هذا هو مما تحتمله دلالة الحديث الشريف؛ بمعنى أن النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) قد يكون رأى الله (تعالى) حقًا في المنام، وقد يكون رآه (سبحانه) مجازًا في المنام كما يراه المسلمون العاديون (وهو ما أوضحناه باستفاضة في إجابة السؤال) . ومع ذلك، فإن شيوع هذه النوعية من الرؤى بين العديد من المسلمين الصالحين قد يجعلها لا تحتاج إلى دليل لإثبات وجودها.
وفي الحقيقة، فإن القول بأنَّ الشخص قد يرى الله (عزَّ وجلَّ) في الرؤيا في صورة أو شكل لمخلوق، أو أن يسمع صوتًا لمخلوق، أو أن يشعر بملمس مخلوق، أو أن يشم رائحة مخلوق ... هو على سبيل المجاز؛ فإن الله (جلَّ جلاله) مُنَزَّهٌ عن التشبه بخلقه (سبحانه وتعالى عن ذلك علوًَّا كبيرًا) .
ولكن يمكن القول بأنَّ الشخص قد يرى في المنام صورة، أو شكلًا، أو صوتًا، أو ملمسًا ... رمزيًا يشبه المخلوقات، يخلقه الله (عزَّ وجلَّ) في قلبه؛ لتوصيل معنى معين عن الله (تبارك وتعالى) . فهذه الصفة المخلوقيَّة ما هي إلا مجرد رمز رؤيا منام؛ لتوصيل معنى عن الله (تعالى) إلى العقل بطريقة تتناسب مع قدرته على الإدراك، وطبعًا، ليس هذا الرمز هو الله (سبحانه وتعالى) نهائيًا، وإن كان النائم يعتقد أو يُخلَقُ في قلبه في رؤياه أن هذا الرمز الذي رآه هو الله (عزَّ وجلَّ) .
وهنا يُثار سؤال آخر، وهو: هل يستطيع الشيطان أن يُري الإنسان مثل هذا النوع من الرؤى؟ والإجابة هي: نعم يستطيع الشيطان ذلك، ولا يفعله إلا بإذن الله (تعالى) ؛ إذ ليس هناك دليل شرعي على أن الشيطان لا يستطيع أن يفعل ذلك، وبالتالي، فالاحتمال موجود، وقد يأتي الشيطان إلى المسلم في الرؤيا ويُسمِعُه صوتًا، أو يجعله يرى من يقول له: «أنا ربك، وآمرك أن تفعل كذا كذا» (والعياذ بالله تعالى) .
ورؤيا الله (تعالى) هي كغالبية الرؤى، قد تصدق، وقد تكذب، ويمكن ترجيح صدقها من كذبها بتطبيق المعايير المعروفة عليها (والمذكورة سابقًا في هذا البحث) .
والله (تعالى) أعلم.