فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 939

{الله يستهزئ بِهِمْ}

أي يجازيهم على استهزائهم سمِّي جزاؤه باسمه كما سُمي جزاءُ السيئة سيئةً إما للمشاكلة في اللفظ أو المقارنة في الوجود أو يرجِعُ وبالُ الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم أو يُنزل بهم الحقارةَ والهوانَ الذي هو لازمُ الاستهزاءِ أو يعاملهم معاملة المستهزئ بهم أما في الدنيا فبإجراء أحكامِ المسلمين عليهم واستدراجِهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان وأما في الآخرة فبما يروى أنه يفتح لهم بابٌ إلى الجنة فيُسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سُدَّ عليهم الباب وذلك قوله تعالى {فاليوم الذين آمنوا مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ} وإنما استؤنف للإيذان بأنهم قد بلغوا في المبالغة في استهزاء المؤمنين إلى غاية ظهرت شناعته عند السامعين وتعاظَمَ ذلك عليهم حتى اضْطَرَّهم إلى أن يقولوا ما مصيرُ أمرِ هؤلاء وما عاقبةُ حالهم وفيه أنه تعالى هو الذي يتولى أمرَهم ولا يُحوجهم إلى المعارضة بالمثل ويستهزئ بهم الاستهزاءَ الأبلغَ الذي ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء حيث ينزلُ بهم من النَكال ويحِلُّ عليهم من الذل والهوان ما لا يوصف، وإيثارُ صيغة الاستقبال للدِّلالةِ على التَّجددِ والاستمرارِ كما يعرب عنه قوله عز قائلًا {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} وما كانوا خالين في أكثر الأوقات من تهتكِ أستارٍ وتكشف أسرار ونزول في شأنهم واستشعارِ حذَرٍ من ذلك كَمَا أنبأ عَنْهُ قولُه عزَّ وجلَّ {يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا في قلوبهم قل استهزؤوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون} .

{وَيَمُدُّهُمْ} أي يزيدهم ويقويهم مِنْ مدَّ الجيش وأمده إذا زاده وقواه ومنه مددتُ الدواةَ والسِراج إذا أصلحتهما بالحِبْر والزيت، وإيثارُه على يزيدهم للرمز إلى أن ذلك منوطٌ بسوء اختيارهم لما أنه إنما يتحقق عند الاستمداد ومَا يَجري مَجراه من الحاجة الداعية إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت