(فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ) كلا الجارّين متعلقٌ بـ {هب} لاختلاف معنييهما فاللامُ صلةٌ له ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازًا، وتقديمُ الأول لكون مدلولِه أهمَّ عنده.
(وَلِيًّا) أي ولدًا من صُلبي، وتأخيرُه عن الجارَّين لإظهار كمالِ الاعتناءِ بكون الهبةِ له على ذلك الوجه البديعِ مع ما فيه من التشويق إلى المؤخَّر فإنَّ ما حقَّه التقديمُ إذا أُخرَ تبقى النفسُ مستشرفة، فعند ورودِه لها يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ، ولأن فيه نوعَ طولٍ بما بعده من الوصف، فتأخيرُهما عن الكل أو توسيطُهما بين الموصوف والصفة مما لا يليقُ بجزالةِ النظم الكريم، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قيلها فإن ما ذِكرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من كبر السن وضعف القُوى وعقرِ المرأة موجبٌ لانقطاع رجائِه عليه السلام عن حصول الولدِ بتوسط الأسبابِ العادية واستيهابِه على الوجه الخارِق للعادة، ولا يقدحُ في ذلك أن يكون هناك داعٍ آخرُ إلى الإقبال على الدعاء المذكورِ من مشاهدته عليه السلام للخوارق الظاهرةِ في حق مريمَ كما يعرب عنه قوله تعالى {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} الآية. وعدمُ ذكرِه هاهنا للتعويل على ذكره هناك كما أن عدمَ ذكرِ مقدمةِ الدعاء هناك للاكتفاء بذكره هاهنا، فإن الاكتفاءَ بما ذكر في موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ من النكت التنزيلية.