قوله تعالى {إِنَّهُ بِكُلّ شَيء عَلِيمٌ} تعليلٌ لما قبلَها وتمهيدٌ لما بعدَها من قولِه تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} إيذانًا بأنَّ ما شرعَ لهم صادرٌ عن كمالِ العلمِ، والحكمةِ كما أن بيانَ نسبتهِ إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام تنبيهٌ على كونِه دينًا قديمًا أجمعَ عليه الرسلُ والخطابُ لأمَّتهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ شرعَ لكُم من الدين ما وصى به نوحًا ومَنْ بعدَه من أربابِ الشرائعِ وأولي العزائمِ من مشاهيرِ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمرَهُم به أمرًا مؤكدًا على أنَّ تخصيصَهُم بالذكرِ لما ذُكِرَ من علوِّ شأنِهم ولاستمالة قلوبِ الكفرةِ إليه لاتفاقِ الكلَّ على نبوةِ بعضِهم وتفردِ اليهودِ في شأنِ مُوسى عليه السَّلامُ وتفردِ النَّصارى في حقِّ عيسى عليه السلام، وإلا فَما منْ نبيَ إلا وهُو مأمور بما أمره به وهو عبارةٌ عنِ التوحيدِ ودينِ الإسلامِ وما يختلف باختلاف الأممِ وتبدلِ الأعصارِ من أصولِ الشرائعِ والأحكامِ كما ينبئُ عنه التوصيةُ فإنها معربةٌ عن تأكيد الأمرِ والاعتناء بشأن المأمور به، {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}
والتعبيرُ عند نسبتِه إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بـ {الذي} لزيادة تفخيمِ شأنِه من تلك الحيثيةِ، وإيثارُ الإيحاءِ على ما قبله وما بعده من التوصيةِ لمراعاة ما وقعَ في الآيات المذكورةِ، ولِما في الإيحاءِ من التصريحِ برسالته عليه الصلاة والسلام القامعِ لإنكار الكفرةِ، والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بإيحائِه وهو السرُّ في تقديمِه على ما بَعدُه مع تقدِّمهِ عليهِ زمانًا، وتقديمُ توصيةِ نوحٍ عليهِ السَّلامُ للمسارعة إلى بيان كون المشروعِ لهم دينًا قديمًا، وتوجيه الخطابِ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيهِ على أنَّه تعالَى شرعَهُ لهم على لسانِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.