فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 939

{وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا}

والتعبيرُ عن اعتقادِهم في حقه بالريب مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر كما يُعرب عنه قوله تعالى (إِن كُنتُمْ صادقين) إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدورُه عنهم وإن كانوا في غايةِ ما يكونُ من المكابرة والعِناد هو الارتيابُ في شأنه، وأما الجزمُ المذكورُ فخارجٌ من دائرة الاحتمال كما أن تنكيرَه وتصديرَه بكلمة الشكِّ للإشعار بأن حقَّه أن يكون ضعيفًا مشكوكَ الوقوع، وإما للتنبيه على أن جزمَهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمالِ وضوحِ دلائلِ الإعجازِ ونهايةِ قوتِها، وإنما لم يقل وإن ارتبتم فما نزلنا الخ لما أُشيرَ إليهِ فيما سَلَف من المبالغة في تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن شائبة وقوعِ الريب فيه حسْبما نطَق به قولُه تعالَى (لاَ رَيْبَ فِيهِ) والإشعار بأن ذلك إنْ وقع فمن جهتهم لا من جهته العاليةِ، واعتبارُ استقرارِهم فيه وإحاطتُه بهم لا ينافي اعتبارَ ضعفِه وقِلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوامُ ملابستهم به لا قوته وكثرته.

وإيثار التنزيل المنبئ عن التدريج على مطلقِ الإنزالِ لتذكيرِ منشأ ارتيابِهم وبناءُ التحدي عليه إرخاءٌ للعِنان وتوسيعًا للميدان فإنهم كانوا اتخذوا نزولَه منجّمًا وسيلةً إلى إنكاره فجُعل ذلك من مبادي الاعتراف به كأنه قيل: إن ارتبتم في شأن ما نزلناه على مهل وتدريجٍ فهاتوا أنتم مثلَ نَوْبةٍ فذةٍ من نُوَبه ونَجْم فَرْدٍ من نجومه فإنه أيسرُ عليكم من أن يُنزلَ جُملةً واحدة ويُتحدَّى بالكل وهذا كما ترى غايةُ ما يكون في التبكيت وإزاحةِ العلل.

وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بعنوانِ العبوديةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِ الجلالة من التشريفِ والتنويه والتنبيهِ على اختصاصه به عز وجل وانقيادة لأوامره تعالى ما لا يخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت