فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 939

{ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(23)}

{ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} عطفٌ على ما مر من الجملة المستأنفةِ المقدرةِ كأنه قيل تتمتعون متاعَ الحياةِ الدُّنيا ثم ترجِعون إلينا وإنما غُيّر السبكُ إلى الجملة الاسمية مع تقديم الجارِّ والمجرور للدِلالة على الثبات والقصرِ

{فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدُّنيا على الاستمرار من البغي وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده: سأخبرك بما فعلت، وفيه نكتةٌ خفيةٌ مبنية على حكمة أبية وهي أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مغايرةٍ لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة، فإن المعاصيَ مثلًا سمومٌ قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوسُ العصاةِ، وكذا الطاعاتُ مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصور مكروهةٍ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم"حفت الجنة بالمكاره وحُفّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ"

فالبغي في هذه النشأة وإن برز بصورة تشتهيها البغاةُ وتستحسنها الغواةُ لتمتعهم به من حيث أخذُ المالِ والتشفّي من الأعداء ونحوُ ذلك، لكن ذلك ليس بتمتع في الحقيقة بل هو تضرّر من حيث لا يحتسبون، وإنما يظهرُ لهم ذلك عند إبرازِ ما كانوا يعملونه من البغي بصورة الحقيقة المضادّةِ لِما كانوا يشاهدونه على ذلك من الصورة، وهو المرادُ بالتنبئة المذكورةِ والله سبحانَهُ وتعالَى أعلمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت