وتركُ عطفِه على خلقِ السَّماواتِ للإيذانِ باستقلالِه في الدِّلالةِ ولتعلُّقِه بالعالم السفلي والبداءة بخلق الإنسانِ لعراقتِه في الدِّلالةِ لما فيه من تعاجيبِ آثارِ القُدرةِ وأسرارِ الحكمةِ وأصالتِه في المعرفةِ فإنَّ الإنسانَ بحالِ نفسِه أعرفُ، والمرادُ بالنَّفسِ نفسُ آدمَ عليه السَّلامُ.
وقولُه {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} عطفٌ على محذوفٍ هو صفةٌ لنفس أي منْ نفسٍ خلقَها ثمَّ جعل منها زَوْجَها، أو على معنى واحدةٍ أي من نفسٍ وحدت ثم جعل منها زوجها فشَفَعها، أو على {خلقكم} لتفاوتِ ما بينهما في الدِّلالةِ فإنَّهما وإن كانتا آيتينِ دالتَّينِ على ما ذُكر لكن الأُولى لاستمرارِها صارتْ معتادةً، وأما الثَّانيةُ فحيثُ لم تكن معتادةً خارجةً عن قياسِ الأولى كما يُشعر به التعبيرُ عنها بالجعلِ دون الخلقِ كانت أدخلُ في كونِها آيةً وأجلبَ للتَّعجُّبِ من السَّامعِ فعطفت على الأولى بـ {ثمَّ} دلالةً على مباينتِها لها فضلًا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادةِ كونِها آيةً فهو من التَّراخي في الحالِ والمنزلةِ.
{وَأَنزَلَ لَكُمْ} وتقديمُ الظَّرفينِ على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أُخِّر فإنَّ كونِ الإنزالِ لمنافعِهم، وكونَه من الجهةِ العاليةِ من الأمورِ المهمة المشوقة إلى ما أُنزل لا محالةَ.
{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أمهاتكم} وصيغة المضارعِ الدلالة على التَّدرجِ والتَّجدُّدِ.