{وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} عطفٌ على ليستخلفنَّهم منتظم معه في سلك الجوابِ وتأخيرُه عنه مع كونه أجلَّ الرَّغائبِ الموعودة وأعظمها لما أنَّ النُّفوسَ إلى الحظوظِ العاجلة أميلُ فتصدير المواعيد بها في الاستمالةِ أدخلُ.
والمعنى ليجعلنَّ دينَهم ثابتًا مُقرَّرًا بحيثُ يستمرُّون على العمل بأحكامِه ويرجعون إليهِ في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون، والتَّعبيرُ عن ذلك بالتَّمكينِ الذي هو جُعل الشَّيءِ مكانًا لآخرَ يُقال مكَّن له في الأرضِ. أي جعلها مقرًّا له ومنه قولُه تعالى {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض} ونظائره وكلمة {في} للإيذان بأنَّ ما جُعل مقرًّا له قطعةٌ منها لا كلُّها للدِّلالةِ على كمال ثبات الدِّين ورصانةِ أحكامِه وسلامتِه من التَّغييرِ والتَّبديلِ لابتنائه على تشبيهِه بالأرض في الثَّبات والقرار، مع ما فيه من مُراعاةِ المُناسبة بينه وبين الاستخلافِ في الأرضِ، وتقديمُ صلةِ التَّمكينِ على مفعوله الصَّريحِ للمُسارعةِ إلى بيان كونِ الموعودِ من منافعهم تشويقها لهم إليه وترغيبًا لهم في قبوله عند ورودِه، ولأنَّ في توسيطها بينَهُ وبينَ وصفِه أعني قوله تعالى {الذى ارتضى لَهُمْ} وفي تأخيرِها عنه من الإخلالِ بجَزَالةِ النظمِ الكريمِ مَا لاَ يَخْفى، وفي إضافة الدِّين إليهم وهو دينُ الإسلامِ ثم وصفُه بارتضائه لهم تأليفٌ لقلوبِهم ومزيدُ ترغيبٍ فيه وفضلُ تثبيتٍ عليه.