والخطابُ لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ الرؤيةُ من المؤمنين وتوجيهُه إليه هاهنا مع توجيهه فيما بعدُ إلى الكل معًا للإيذان بكمال شهرةِ شناعةِ حالِهم وأنها بلغتْ من الظُّهورِ إلى حيث يتعجّبُ منها كلُّ مِنْ يراها والرؤيةُ بَصَريةٌ أي ألم تنظُرْ إليهم فإنهم أحقاء أن تشاهِدَهم وتتعجب من أحوالهم، وتجويزُ كونِها قلبيةً على أن إلى لتضمنها معنى الانتهاءِ لما فعلوه يأباه مقامُ تشهيرِ شنائعِهم ونظمِها في سلك الأمورِ المشاهدةِ والمرادُ بهم أحبارُ اليهود.
والمرادُ بالكتاب هو التوراةُ وحملُه على جنس الكتابِ المنتظِمِ لها انتظامًا أوليًا تطويلٌ للمسافة وبالذي أوتوه ما بُيِّن لهم فيها من الأحكام والعُلومِ التي من جملتها ما علِموه من نعوت النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم وحقيقة الإسلام والتعبير عنه بالنصيب المنبئ عن كونه حقًا من حقوقهم التي يجب مراعاتها والمحافظةُ عليها للإيذان بكمال ركاكةِ آرائِهم حيث ضيّعوه تضييعًا وتنوينُه تفخيميٌّ مؤيدٌ للتشنيع عليهم والتعجيبِ من حاله فالتعبيرُ عنهُمْ بالموصولِ للتنبيهِ بما في حيز الصلة على كمال شناعتِهم والإشعارِ بمكان ما طُويَ ذكرُه في المعاملة المحكمية عنهم من الهدى الذي هو أحدُ العِوَضَيْنِ.
{يَشْتَرُونَ الضلالة}
والتعبيرُ عن ذلك بالاشتراء الذي هو عبارةٌ عن استبدال السلعة بالثمن أي أخذِها بدلًا منه أخذًا ناشئًا عن الرغبة فيها والإعراضِ عنه للإيذان بكمال رغبتِهم في الضلالة التي حقُّها أن يُعرَضَ عنها كلَّ الإعراضِ وإعراضِهم عن الهداية التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ وفيه من التسجيل على نهاية سخافةِ عقولِهم وغايةِ ركاكةِ آرائِهم ما لا يَخفْى حيثُ صُوِّرت حالُهم بصورة ما لا يكادُ يتعاطاه أحدٌ ممن له أدنى تمييزٍ وليس المرادُ بالضلالة جنسَها الحاصلَ لهم من قبلُ حتى يخل بمعنى الاشتراء المنبئ عن تأخُّرِها عنه بل هو فردُها الكاملُ وهو عنادُهم وتماديهم في الكفر بعد ما علموا بشأن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم وتيقنوا بحقِّية دينه وأنه هو النبيُّ العربيُّ المبشَّرُ به في التوراة ولا ريب في أن هذه الرتبةَ لم تكن حاصلةً لهم قبل ذلك.