وتقديمُ المشرق على المغرب مع تأخر زمانِ الملّةِ النصرانية إما لرعاية ما بينهما من الترتيب المتفرِّع على ترتيب الشروق والغروب، وإما لأن توجّه اليهودِ إلى المغرب ليس لكونه مَغرِبًا بل لكون بيتِ المقدس من المدينة المنورة واقعًا في جانب الغرب فقيل لهم ليس البر ما ذكرتم من التوجه إلى تينك الجهتين.
{والصابرين} نُصب على الاختصاص غُيِّر سبكُه عما قبله تنبيهًا على فضيلة الصبر وميزيته وهو في الحقيقة معطوفٌ على ما قبله قال أبو علي إذا ذكرت صفات للمدح أو للذم فخولفَ في بعضها الإعرابُ فقد خولف للافتنان، ويسمَّى ذلك قطعًا لأن تغييرَ المألوفِ يدل على زيادة ترغيبٍ في استماع المذكورِ ومزيدِ اهتمامٍ بشأنه كما مرَّ في صدرِ السورة.
{وَحِينَ البأس} أي وقتَ مجاهدةِ العدوِّ في مواطن الحرب وزيادةُ الحينِ للإشعار بوقوعه أحيانًا وسرعةِ انقضائِه.
{أولئك} إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتّصافِهم بالنعوت الجميلةِ المعدودة وما فيه من معنى البُعد لما مر مرارا من التنبيه على علوِّ طبقتِهم وسُموِّ رُتبتِهم.
{الذين صَدَقُوا} أي في الدين واتباعِ الحقِّ وتحرَّى البِرِّ حيث لم تغيِّرْهم الأحوالُ ولم تُزلزلهم الأهوال
{وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون} عن الكفر وسائرِ الرذائلِ، وتكريرُ الإشارة لزيادة تنويهِ شأنِهم، وتوسيطُ الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم والآيةُ الكريمة كما ترى حاويةٌ لجميع الكمالات البشرية برُمَّتها تصريحًا أو تلويحًا لما أنها مع تكثُّر فنونها وتشعُّب شجونِها منحصرةٌ في خِلالِ ثلاث صحةِ الاعتقاد وحسنِ المعاشرة مع العباد وتهذيبِ النفس، وقد أشير إلى الأولى بالإيمان بما فُصِّل، وإلى الثانية بإيتاء المالِ، وإلى الثالثة بإقامة الصلاة الخ.
ولذلك وُصف الحائزون لها بالصدق نظرًا إلى إيمانهم واعتقادِهم، وبالتقوى اعتبارًا بمعاشرتهم مع الخلق ومعاملتهم مع الحق، وإليه يشير قوله صلى الله عليه وسلم [["من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان"] ].