{مّمَّا فِي بُطُونِهِ} أي بطون الأنعامِ، والتذكيرُ هنا لمراعاة جانبِ اللفظِ فإنه اسم جمع ولذلك عدّه سيبويه في المفردات المبنيّة على أفعال كأكباش وأخلاق كما أن تأنيثه في سورة المؤمنين لرعاية جانب المعنى ومَن جعله جمعَ نَعَمٍ جعل الضميرَ للبعض فإن اللبَن ليس لجميعها أوله على المعنى فإن المرادَ به الجنس.
{نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا} {مِن} الأولى تبعيضيةٌ لما أن اللبن بعضُ ما في بطونه لأنه مخلوقٌ من بعض أجزاءِ الدم المتولّدِ من الأجزاء اللطيفةِ التي في الفرث حسبما فصل والثانية ابتدائية كقوله سقَيت من الحوض لأن بين الفرث والدمِ مبدأَ الإسقاء وهي متعلقةٌ بـ {نُسقيكم} وتقديمه على المفعول لما مر مرارا من أن تقديم ما حقُّه التأخيرُ يبعث للنفس شوقًا إلى المؤخر موجبا لفضل تمكينه عند ورودِه عليها لا سيما إذا كان المقدمُ متضمنًا لوصف منافٍ لوصف المؤخَّر كالذي نحن فيه فإن بين وصفَيْ المقدّمِ والمؤخر تنافيًا وتنائيًا بحيث لا يتراءى ناراهما فإن ذلك مما يزيد الشوقَ والاستشراف إلى المؤخر كما في قوله تعالى {الذى جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر نَارًا} أو حالٌ من لبنًا قُدّم عليه لتنكيره والتنبيه على أنه موضعُ العبرة.