المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 209
يستريح عن تعب الجرح، كما يستريح المسافر تحت ظلّ الأراك عن حرّ الشّمس وعناء السّفر. ومنه أيضا قولهم:
آركهم أن يفعل ذلك، أي أخلقهم، لكون الخلق يدلّ على الثّبوت والدّوام أو لأنّ تلك الحالة الهادئة توجب للمتخلّق الأمن والثّبات والرّاحة كالمستريح تحت شجر الأراك.
2 -وحكى ابن دريد: ورك بالمكان يرك وروكا، إذا أقام به، فهو وارك. وهذه اللّغة أصلها"الهمز"، وليس لها أصل في"الواو"باتّفاق اللّغويّين أجمع، غير أنّ الهمزة قلبت واوا للخفّة، وهي لغة يمانيّة. ولكنّ ابن دريد عقّبها بلغة"الهمز"قائلا: وأرك يأرك أروكا، هي اللّغة الفصحى. فقد اعتبر لغة"الواو"غير فصيحة، كما هو ديدن سائر اللّغويّين عند اجتماع اللّغتين: الواو والهمزة في بعض الموادّ؛ إذ يعدّون لغة"الواو"لغة العامّة أو لغة ضعيفة، لأنّهم يقيسون فصاحة اللّغة وعدم فصاحتها بلغة سكّان البادية. فهم كانوا يشدّون الرّحال إليها، ليشافهوا الأعراب في كلّ شاردة وواردة، ثمّ يقيسون كلام العرب في الحضر بما جمعوه ودوّنوه من كلام الأعراب في البادية، فإن وافقه رفعوه وإن باينه وضعوه.
ولا يستثنون من هذا القياس أيّ كلام ولو كان كلام اللّه؛ فقد جعل ابن السّكّيت قوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ التّوبة: 106، وقوله: أَرْجِهْ وَأَخاهُ* الأعراف: 111، والشّعراء: 36. في باب"ما يهمز ممّا تركت العامّة همزه"من كتابه"إصلاح المنطق ص 146"، لأنّهما جاءا بلغة أهل الحجاز ومكّة والمدينة والطّائف الّذين لا يهمزون، وهي خلاف لغة أهل البادية الّذين يهمزون.
وقد قرئ (مرجؤن) و (أرجئه) بالهمز فيهما أيضا.
3 -وتكاد الأقوال تتّفق في أنّ الأرائك جمع، مفردها: أريكة على زنة"فعيلة"، لكنّها تختلف في أصلها أهو شجر الأراك أم الإقامة من: أرك بالمكان، بمعنى أقام فيه؟ كما اختلفوا في التّوفيق بين الأصلين، فقد اختار بعضهم الأصل الواحد، وجعلوه دالّا على الإقامة، وهي تعني الدّوام والثّبوت، كما قدّمنا. ولعلّ وجه تسمية هذا الضّرب من الشّجر بالأراك، لإقامة النّاس والدّوابّ عندها وفي ظلّها، أو بالعكس كما احتملنا، وربّما لصيغة"فعيل"الدّالّة على الثّبوت أثر في دلالة هذا اللّفظ على الإقامة المكانيّة.
ولا يبعد أن تكون معانيها مشتقّة من أصلين كما اختاره ابن فارس، إلّا أنّ الرّأي الأوّل يمكن توجيهه بأنّ حقيقته الإقامة؛ فالبدويّ في الصّحاري لا يستريح ولا يقيم إلّا في ظلّ الأشجار البرّيّة الّتي منها الأراك، فانتقل اللّفظ إلى الشّجرة- أو بالعكس انتقل اسم الشّجرة إلى الإقامة كما سبق- ثمّ إلى كلّ ما يستريح إليها وعليها الإنسان، حتّى سمّيت السّرر أرائك كما سمّيت الأرض ما بين صنعاء إلى أيلة وما بين عدن إلى الجابية أريكة، باعتبارها سكنا للنّاس خلافا للرّبع الخالي من الجزيرة، كما أنّ الإبل لا تمشي في مبركها بل تقيم فيه.
4 -وهل الأريكة لا تكون إلّا إذا كان عليها حجلة كما في أكثر النّصوص؟ - وهو أشبه وأنسب بشجر (الأراك) الّتي يستريحون تحتها- أو هي كلّ ما يتّكأ عليه من سرير ومنصّة وفراش، أو مطلق السّرير؟ لا يبعد