فهرس الكتاب

الصفحة 1062 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 245

، وصوت الشّياطين، سواء علا أم انخفض، لأنّ أصوات الشّياطين لها دويّ في القلوب دون الآذان، فيحذر منها ويخاف وتتجنّب كيف كانت.

3 -وإذا أدّى الصّوت والهمس إلى هزّة في أعماق"المأزوزين"تلك الهزّة فستحرّكهم وتهيّجهم وتغريهم إلى ما أريد بها، كما أنّها ستزعجهم بشدّة وعنف، فلقد أخذ فيه معنى الشّدّة والغليان على ما تقدّم في النّصوص.

الاستعمال القرآنيّ

من روعة الإعجاز البلاغيّ والبيانيّ في هذه الآية تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أمور:

1 -أنّها جمعت بين الفعل والمصدر استنادا إلى الشّياطين المذكورين قبلها، تأكيدا على شدّة إغواء الشّياطين للكافرين، وهذا ما يؤيّده القرآن من سلطان الشّياطين على من اتّبعهم: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ الحجر: 42.

2 -وأنّه لا يدرك مدى التّناسق بين هذا وبين ما قبله: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ فالشّياطين مرسلون"على"الكافرين لا"إلى"الكافرين، فإنّهم مسيطرون عليهم سيطرة الطّواغيت على الأمم المستضعفة، فيفعلون بهم ما يفعلون. وهذا هو الفارق بين إرسال الشّياطين وإرسال الرّسل، فإنّ الرّسل مرسلون"إلى"العباد لا"على"العباد، مبشّرين ومنذرين، وليس لهم سيطرة ظالمة على النّاس بخلاف شياطين الإنس والجنّ. ويتبادر إلى الذّهن إثر ذلك أنّ الشّياطين مثلهم مثل الكلاب تبعث على السّارق والجاني، فالشّياطين كلاب اللّه يسلّطها على الكافرين تؤزّهم أزّا وتزعجهم من الطّاعة إلى المعصية، ثمّ من الجنّة إلى النّار، تزعجهم إزعاجا شديدا.

3 -وأنّ هذا"الأزّ"يحكي عن أنّ ذلك خلاف فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها، وأنّه حركة قسريّة وانحراف عن الصّراط المستقيم، نشأ عن كفرهم وعنادهم الّذي هو أيضا فسق وخروج عن الفطرة.

4 -وأنّ الإرسال تمّ في الزّمن الماضي (ارسلنا) والأزّيستمرّ في الحاضر والمستقبل (تؤزّهم) .

5 -وأنّ ما يجده الكافرون من مشاعر إنّما هي من وحي الشّياطين وإيحائهم، وبالتّالي هو وحي عن كفرهم.

6 -وأنّ الكافرين يعيشون في دوّامة من أصوات الشّياطين تسيطر عليهم وتحيط بهم و (تؤزّهم ازّا) بحيث لا يبقى لهم أدنى مجال للاستماع إلى صوت الهداية والحقّ، فمن سيطر عليه الشّيطان لا يسمع نداء الرّحمان.

7 -وأنّ الشّياطين طبيعتهم الأزّ للكافرين وإغواؤهم بشدّة عن السّبيل، ولا تنفكّ عنهم هذه الخصلة أبدا، ولا ينسون ولا يغفلون عن ذلك. فهم مراقبون الكافرين مراقبة ألدّ الخصام خصمه، أو السّبع المفترس صيده.

8 -وأنّ ذلك تطمين للمؤمنين بأنّ هذا الّذي يحدث من قبل الشّياطين والكافرين ليس خارجا عن قدرة اللّه سبحانه وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ الزّمر: 51، إنّما ذلك ابتلاء وعقوبة منه سبحانه لأولئك الكافرين، لأنّ هذا الأزّ صادر عن الشّياطين، وما هم إلّا مرسلون من قبله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت