المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 118
كبيران ثابتان في مكان، والكأس هي الّتي تدار على الضّيوف. وهذا مردود بقوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة: 17، 18، ولكنّ المعنى المذكور ورد في قوله: وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ الغاشية: 14، ممّا يفيد أنّ الأكواب تارة يطاف بها عليهم من قبل الولدان المخلّدين الّذين يسقونهم بالكأس من الأكواب والأباريق، وتارة أخرى توضع أمامهم ليكونوا هم المباشرين في الصّبّ حيث ما يشتهون. وكيف كان فالجمع بين الثّلاثة في الآية دليل على اختلافها صورة وأثرا.
6 -وجاءت الألفاظ الثّلاثة نكرة دائما وتفخيما إشارة إلى أنّها لا يدرك كنهها، ولا مثيل لها في مجالس أهل الدّنيا مهما كانوا من التّرف والشّرف؛ فهي كسائر ما في الجنّة تكون ممّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال بشر.
7 -وهذا المعنى بعينه يتجلّى في مجي ء (ولدان) و (غلمان) الّذين يطوفون على أهل الجنّة بلفظ النّكرة أيضا في القرآن:
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا الدّهر: 19.
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة 17، 18.
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ الطّور: 24.
8 -وجاءت (أكواب) في آية الواقعة: 18، مع (اباريق) و (كأس) ، وفي الدّهر: 15، مع (آنية من فضة) ، وفي الزّخرف: 71، مع (صحاف من ذهب) ، وفي الغاشية: 14، (موضوعة) بلا طواف. كما أنّ الكأس جاءت بأوصاف جميلة يرغب فيها كلّ من يراها ويسمع بها. وفي كلّ ذلك لطف، وكذا في اختلاف التّعابير والأساليب تنوّع وتفنّن وحلاوة لا تخفى على اللّبيب، ويتذوّقها الأديب.
9 -والآيات المذكورة مبنيّة على فكرة الطّواف؛ حيث الولدان يطوفون كأنّهم الطّيف السّاري، ولفظة (عليهم) تفيد وقوف (الولدان) وجلوس أهل الجنّة، بل وفي انتقاء الألفاظ أيضا ما بين عربيّة أصيلة كالطّواف والمعين الدّالّان على الجريان والدّوران والانتقال، وما بين غير عربيّة كالألفاظ الثّلاثة؛ فكأنّ النّصّ أيضا قد (طاف) في أرجاء الدّنيا، وانتقى ألفاظه المكوّنة له، وهذا من ضروب التّماسك اللّفظيّ والدّلاليّ في الصّياغة القرآنيّة المعجزة.
10 -وآية الواقعة هي الآية الوحيدة الّتي جمعت بين الألفاظ الثّلاثة، كما أنّها الوحيدة في التّصريح بأنّ (وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) يطوفون عليهم بهذه الأواني، أمّا سائر الآيات ففي بعضها حذف الطّواف، وفي بعض آخر حذف الفاعل (يطاف عليهم) ، وفي أخرى ذكر اللّفظان دون الأواني (الدّهر: 15، والطّور: 24) . وفي كلّ ذلك تنويع وتفخيم وتمثيل لحياة أهل الجنّة. رزقنا اللّه إيّاها.
11 -وإذا صحّ أنّ (اكوابا) أوسع وأكبر من (اباريق) كنسبتها مع (كأس) ، فالسّرّ في هذا التّركيب يكاد يكون واضحا؛ حيث قدّم الأكبر على الأصغر، مع ما فيه من التّوالي في الجرس"أفعال، أفاعيل، فعل"باختلاف الحركات وما فيه من صعود ونزول في الصّوت، ففيه أيضا ضرب من التّماسك اللّفظيّ والدّلاليّ.