المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 297
والصّدر وما إليهما- نقلت اللّغة لفظة"الأسر"للدّلالة على الجميع والمجموع، حتّى يكاد يختفي معنى الشّدّ والحبس مع استمراره في الدّلالة بشكل خفيّ. فكأنّك حين قلت: جاء القوم بأسرهم، قد تناسيت معنى الشّدّ والقدّ والحبل في القضيّة كلّها. مع أنّ الملاحظ يدرك أنّ"بأسرهم"دالّة- من بعيد- على تصوّر القادمين وكأنّهم قد شدّوا إلى بعضهم البعض، فجاؤوا كالحزمة الواحدة.
الاستعمال القرآنيّ
1 -وردت هذه المعاني جميعا في القرآن في ستّ آيات هي:
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا الأحزاب: 26
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ الدّهر: 28
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا الدّهر: 8
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الأنفال: 67
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى
الأنفال: 70
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ البقرة: 85
يلاحظ أنّ هذه المعاني المتشكّلة من الألفاظ الخمسة المتقدّمة تتضمّن دلالتين اثنتين:
الأولى: قوله: وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا بمعنى أنّكم تأخذونهم وتشدّون أيديهم إلى جنوبهم، وتجعلون القدّ يدور حول ظهورهم وصدورهم وبطونهم، فكأنّكم قد امتلكتم أسرهم فكانوا أسرى لكم.
وبالطّبع فإنّ معنى"الأسر"هاهنا يتجاوز معنى الشّدّ بالحبال إلى الأخذ العامّ المانع للمأخوذين، من التّصرّف.
الثّانية: قوله: شَدَدْنا أَسْرَهُمْ أي جعلنا ظهورهم وصدورهم وأكتافهم على هذه الصّورة المحكمة المتماسكة المعتدلة، كما يشمل (اسرهم) معنى جميعهم، أي جميع أعضاء جسمهم وجميع أجزاء خلقتهم. وعبّر عن الجميع بلفظ (اسرهم) لما في هذه اللّفظة من الدّلالة على الظّهر، وما يتعلّق به عن علوّ وعن سفل، من يمين ومن شمال، ثمّ لما فيها من معنى الجمع والجميع والمجموع.
وهكذا نرى أنّ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ قد لجأت إلى إطلاق الجزء على الكلّ، وهي في الوقت نفسه دالّة على معنى ذلك الكلّ، بناء على دلالتها على الجمع والمجموع.
فأمكن لهذا التّركيب أن يؤدّي المعنى العامّ للأسر، مع تركيزه على أهمّ جزء من أجزاء ذلك الأسر، وهو الظّهر وما اتّصل به ممّا يشكّل استقامة قامة الإنسان وتماسك جسمه.
2 -ولقد التفت صاحب الإعجاز العدديّ(ج 2:
149)إلى أنّ مادّة"أسر"ومادّة"حرب"جاءتا وما يشتقّ منهما بنفس عدد المرّات، ستّ مرّات لكلّ مادّة، رغم عدم اجتماعهما في آية واحدة، بل في سورة واحدة. وتعقيبا على كلامه نقول:
أوّلا: إنّه لم يدخل المحراب"4 مرّات"والمحاريب"مرّة واحدة"في القرآن، في مشتقّات"حرب"، وإلّا