المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 122
المصطفويّ: الأبق والهرب مشتركان في الذّهاب من غير استئذان، وإلّا لم يصدق مفهوم الهرب. وفي معنى الأبق قيد آخر وهو الهرب قبل أن يتوجّه إليه خوف أو شدّة من سيّده: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ الصّافّات: 139، 140، فيدلّ على ذهابه من غير استئذان من ربّه، وقبل أن يصل إليه خوف أو شدّة أو كدّ عمل من جانب مولاه، فهو العبد الآبق غفلة.
وهذا الأبق كان مكروها عند اللّه المتعال، فأخذه اللّه فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ الأنبياء: 87،"حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين". (1: 10)
الأصول اللّغويّة
1 -اشتقّ ابن فارس من هذه المادّة أصلين هما: إباق العبد، والتّشدّد في الأمر. ونحن نرجّح أن يكون لها أصل واحد هو الشّدّ والتّشدّد. وما الإباق إلّا مشتقّ من الأبق، فهو ليس أصلا برأسه. والأبق: مصدر أبق يأبق، أي هرب وتباعد. ويعني أيضا حبل القنّب، ونراه أصل المادّة. ومنه اشتقّ الآبق، وسمّي بذلك لأنّه يشدّ بالأبق لهروبه من مولاه. ثمّ أطلق على كلّ عبد هرب من مولاه، وإن لم يشدّ بالأبق، كما أطلق الأسير على كلّ من وقع في الأسر وإن لم يشدّ بالأسر، و"الأسر"على وزن"الأبق": قدّ يربط به الأسير، وهو مصدر اشتقّ منه الأسير، ومثله الإسار.
ومنه أيضا: تأبّقت النّاقة، إذا حبست لبنها، أي شدّت على حلمها فامتنع نزول اللّبن. وتأبّق الرّجل، إذا أنكر الشّي ء، أي تشدّد فيه. وتأبّق: تأثّم، أي وقع في شدّة.
وأمّا قولهم: تأبّق الرّجل، إذا استتر واختفى، فهو من باب التّشبيه، لأنّ الحرّ أشبه العبد بفعله.
وروي عن ثعلب أنّه قال: الأبق هو الكتّان. وإن صحّت هذه الرّواية عنه فهي شاذّة؛ لأنّ أحدا لم يقل بهذا القول سواه.
2 -واشتقّ من هذا الجذر فعلان: أحدهما ثلاثيّ مجرّد، والآخر ثلاثيّ مزيد فيه، وكلاهما لازمان. فالمجرّد سمع منه فعل يفعل، مثل ضرب يضرب، وهو كثير الاستعمال. وفعل يفعل، مثل تعب يتعب، وهو أقلّ استعمالا من الأوّل. وفعل يفعل، مثل قتل يقتل، وهي لغة قليلة الاستعمال، ومثّل صاحب القاموس الفعل"منع"به، وهو وهم؛ لأنّ هذا الباب لما عينه أو لامه حرف حلق. بيد أنّه قد وردت أفعال من هذا الباب شذوذا، مثل: أبى يأبى، وركن يركن، وعضّ يعضّ، وأثّ يأثّ، وودّ يودّ.
وأمّا المزيد فيه فهو من باب التّفعّل، وفي زيادة حروفه زيادة معانيه- كما مرّ.
3 -ونلحظ ممّا تقدّم تجمّع عدد من الدّلالات في هذه المادّة، وهي: الاستخفاء، الهرب أو الفرار والتّباعد، العصيان (عصيان المولى) ، التّأبّق (الوقوع في الإثم) .
وكلّها تدلّ على الشّدّة. وقد استعملت هذه الألفاظ للعبيد خاصّة؛ حيث إنّ الحرّ قد يستخفي خوفا، وقد يهرب أو يفرّ إن دعته الضّرورة، ولكنّه لا سيّد له