المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 365
الأشياء: مابلي منها وتقطّع. وهكذا فالزّمن ومستلزماته عامل مهمّ في أصل"أسن".
5 -وقد يقال: إنّ"أسن ويسن ووسن"يرجع إلى أصل واحد بعد الاعتلال، كما قيل: إنّ"أسن وعفن وأجن وأبن وأفن"من أصل واحد بالاشتقاق الكبير، لوجود الرّابطة بينها معنى والتّشابه لفظا، فكما تطوّرت ألفاظها تطوّرت معانيها، ومفهوم التّغيّر بعامل الزّمان محفوظ في الجميع.
6 -ويحتمل أنّ"سنّ"أصلها"أسن"على اعتبار أنّ الحرف المشدّد الآخر يمكن أن يفكّ إلى همزة في الأوّل- على رأي- مضافا إلى الاشتراك في المعنى، يقال: أسنّ الرّجل فهو مسنّ؛ حيث دخل فيه عامل الزّمان والتّغيّر.
وكذا سنّة وسنة: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ الأنفال:
38، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ آل عمران: 137، فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ البقرة: 259.
7 -ولم يظهر لنا وجه ارتباط"الآسان"أي الحبال بما تقدّم من المعنى، اللّهمّ إلّا أن تكون"الآسان"هي الحبال الّتي مرّت عليها الأيّام حتّى بليت وتغيّرت عمّا كانت عليه من الصّفات. وقد علمنا أنّ ابن فارس جعله أصلا برأسه.
الاستعمال القرآنيّ
جاءت من هذه المادّة لفظة (اسن) مرّة واحدة في آية تصف أنهار الجنّة، وهي: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ محمّد: 15
ويلاحظ أوّلا: أنّهم فسّروا (غير اسن) ب"غير منتن"ولم يحدّدوا هل تغيّر ريحه فقط أو سائر أوصافه أيضا؟ وهل وصل إلى حدّ يمكن شربه أو لا يمكن؟ وإن كانت كلمة منتن ظاهرة في تغيّر الرّائحة، والإطلاق ينفي منه أيّ تغيّر وفساد، وينصرف منه الذّهن إلى أنّ ماء الجنّة على غاية الصّفاء والطّيب، وهذا هو مقتضى سياق الآية حيث تعدّد الأنهار وجعلها صنوفا.
وثانيا: في التّعبير ب (غير اسن) إشارة إلى طول المقام، باعتبار أنّ الماء في الجنّة سيبقى خالدا كأهل الجنّة أنفسهم. فربّما يخطر بالبال أنّ الماء بمرور الزّمن عليه سيصبح آسنا، فأخبر القرآن بأنّ ماء الجنّة على الرّغم من ذلك يبقى صافيا لا يمسّه أيّ تغيّر. وفيه معنى الاستقبال والاستمرار، وهذا أبلغ من توصيفه بأنّه صاف أو نحوه.
وثالثا: ما هي النّكتة في مجي ء (اسن) مرّة واحدة في القرآن مضافا إليه (غير) ؟
لعلّه- واللّه أعلم- إشارة إلى أنّ هذا الوصف (غير اسن) يختصّ بماء الجنّة، وإلّا فكلّ ماء عداه سيكون آسنا حسب طبع الماء. فهذا أمر خلاف الطّبيعة خاصّ بالجنّة، كما أنّ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ الواقعة: 17، كذلك، فإنّ كلّ ولد في الدّنيا سوف يتعرّض للشّباب ثمّ للشّيب سوى"ولدان الجنّة"، فإنّهم سيبقون إلى الأبد نضراء كأمثال اللّؤلؤ المكنون.