المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 366
وهذا بعينه جار في أنهار من لبن وخمر وعسل، فإنّها أيضا وحيدة في نوعها لا يوجد لها في أنهار الدّنيا نظير، وهذا مصداق"ما لم يخطر على قلب بشر".
ورابعا: جاء في وصف الماء: غَيْرِ آسِنٍ، وفي وصف لبن: لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ؛ فإنّ آسن خاصّ بالماء، عامّ لكلّ تغيّر، سواء في الطّعم أو اللّون أو الرّيح، وأمّا اللّبن فتغيّره في الطّعم فقط، على أنّ في تنوّع الألفاظ تفنّن في الكلام.
وجاء في وصف الخمر أيضا أنّها (لذّة للشّاربين) ؛ لأنّها أظهر أوصافها الّتي يتوقّع منها وأوج كمالها؛ حيث إنّ شربها للإلتذاذ ليس إلّا. كما جاء توصيف العسل بأنّه مصفّى؛ لأنّ كماله بصفائه، فكلّ وصف مناسب لموصوفه.
وخامسا: أعيدت كلمة (انهار) أربع مرّات، لعلّها- واللّه أعلم- إشارة إلى أنّ في الجنّة أربعة أنهار من كلّ نوع. على أنّها لو لم تتكرّر لأوهم أنّ هناك أنهار من مجموع هذه الأجناس، من كلّ منها نهر، والحال أنّ كلّامن الأجناس متعدّد.
على أنّ تكرار الأنهار يجسّم للإنسان تلك المناظر الطّريفة الخلّابة؛ حيث أحاط بأهل الجنّة أنهار، فأينما ينظرون يجدون أنهارا جارية من أجناس شتّى.
وسادسا: لاحظ وقس هذه السّعة في العيش لأهل الجنّة مع ما جاء في ذيل الآية لأهل النّار: وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ فليس فيه إلّا نوع واحد، حميم يقطّع الأمعاء، أعاذنا اللّه منه.
وسابعا: هي أطول آية في السّورة- وهي سورة محمّد- وبمنزلة بيت القصيد فيها تبشّر المتّقين أي المؤمنين حقّا بألوان من الشّراب وأنواع من الطّعام"من كلّ الثّمرات"كما تبشّرهم بمغفرة من ربّهم المشعرة برضوانه، وهو غاية المطاف كما قال: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ التّوبة: 72.
وثامنا: هذه الآية مبيّنة لكلّ آية جاء فيها وصف الجنّة ب تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ومنها في هذه السّورة قبلها آيتين: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ محمّد: 12، ولعلّها من أجل ذلك أخّرت إلى سورة مدنيّة لتكون بيانا لما تقدّمها في السّور المكّيّة والمدنيّة، واللّه أعلم بسرّ كتابه [لاحظ"ن ه ر"] .