فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 375
مواقفه وسجاياه.
وتلك هي ميزة الرّسل في شخصّيتهم النّبويّة، أنّهم لا يمثّلون الرّسالة في الكلمة فقط، بل يجسّدونها في الموقف، فيرى النّاس صورة القيمة الإسلاميّة في الواقع، كما يسمعونها في الكلمة وقد كان رسول اللّه إسلاما يتحرّك على الأرض، فيفهمون الدّعوة في سلوكه بعد أن يسمعوها من قوله، ممّا يوحي لهم بأنّها ليست فكرا مثاليّا، يعيش في عالم المثال وفي آفاق الخيال، بل هي فكر متجسّد في الواقع العمليّ من شخصيّة الدّاعية.
وقد رأي بعض العلماء في هذه الآية إيحاء بعصمة الرّسول صلّى اللّه عليه واله، لأنّ اللّه لا يجعل إنسانا قدوة مطلقة في كلّ عمله إلّا إذا كان عمله صورة للحقّ ومطابقا للصّواب.
وهكذا كانت هذه الآية خطابا للمسلمين الّذين كانوا يجتمعون حول الرّسول ويتصرّفون بحرّيّة الذّات المشدودة إلى مزاجها، الباحثة عن رغباتها، الغارقة في شهواتها، بعيدا عن المسؤوليّة في خطّ الرّسالة، وبعيدا عن الجهاد في سبيل اللّه، فيهربون عندما تبدو أمامهم مواقع الخطر، ويسقطون أمام تحدّيات العدوّ.
إنّها تريد أن تشدّهم إلى صورة النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه واله في ثباته في جهاده، وإخلاصه لربّه وقوّته في مواجهة العدوّ، واستهانته بالأخطار المحدقة به، وفي موقفه الصّابر في معركة الأحزاب، عندما كان يشجّع المسلمين على الثّبات، ويشاركهم في حفر الخندق، ويشدّ حجر المجاعة على بطنه، ويبقى في خطّ التّقدّم الأوّل، حتّى لا يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.
إنّها تريد أن تقدّم لهم هذه الصّورة؛ النّموذج الأعلى للإنسان الرّساليّ الثّابت في خطّ الرّسالة، المتحدّي في مواجهة العدوّ، ليزدادوا قوّة بقوّته، وليأخذوا الإخلاص من إخلاصه، حتّى يكونوا في مستوى التّحدّيات الكبيرة في المعركة، ليكون لهم النّصر من خلال هذا الموقف الحاسم القويّ في مواقع الإيمان.
إنّه خطّ القيادة القدوة الّتي تسير فيه القاعدة الجماهيريّة من الأمّة. ولكن الّذين يلتزمونه، هم الّذين انفتحت قلوبهم على الإيمان باللّه، وعاشوا الإخلاص له، ورغبوا في ثوابه، وخافوا من عقابه، وذكروه في السّرّ والعلانية، فلم يغب عن أفكارهم، ولا عن ألسنتهم، لأنّهم وحّدهم الّذين يفهمون معنى الرّسالة في معناه، وسرّ الإيمان في سرّه.
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ ويرغب في رضاه، ويهتدي بهداه، ويقتدي برسله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا فكان معه في كلّ أحواله، حتّى لم يغفل عنه في أيّة لحظة، في كلّ مواقع المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والمعاناة.
وهكذا كانت هذه الصّورة، هى صورة المؤمنين الملتزمين المخلصين الّذين صدّقوا باللّه ورسوله وجاهدوا في سبيل اللّه من موقع الصّدق، لم يخالطهم شكّ أو ريب في ما هم فيه، ولم تعرض لهم شبهة في ذلك كلّه.
2 -قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الممتحنة: 4
الطّبريّ: قدوة حسنة في إبراهيم خليل الرّحمان