المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 379
ينبئ عن وحدة شريعتيهما، وأنّ الاقتداء بأحدهما عين الاقتداء بالآخر.
وهذا ما ينادي به القرآن في شأن الدّين الحنيف وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ البقرة: 135.
[لاحظ: إبراهيم وحنيف]
وخامسا: إثبات الأسوة في محمّد، وإبراهيم صلوات اللّه عليهما في آيات مدنيّة- أي في وقت برز فيه المؤمنون كأمّة من الأمم بكلّ ما تقوم به الأمّة من الوضع الاجتماعيّ والسّياسيّ وتشريع القوانين قيام الحكومة الإسلاميّة على قدم وساق- فيه ما يشعر بأنّ التّأسّي ليس في الحالات الشّخصيّة فحسب، بل في الموقف الاجتماعيّ والسّياسيّ والالتزام بالقانون. وهذا ما يدعمه التّعبير في الجميع بقوله: لكم أي للأمّة الإسلاميّة وجماعة المؤمنين، فلابدّ أن يفكّروا تفكيرا جماعيّا سياسيّا قانونيّا عالميّا، ويخرجوا من العزلة النّفسيّة والعمل الفرديّ، ويهيّئوا أنفسهم لمواجهة العالم. وهذا ما يدعمه نزول الآية الأولى بشأن الأحزاب، والأخيرتين في الصّراع بين الحقّ والباطل، وبين المؤمنين والمشركين قبيل فتح مكّة، كما جاء في التّفاسير.
وسادسا: أنّ الآيات كلّها بدأت بقوله: (لقد كان) ، أو (قد كانت) الدّالّ على التّأكيد البليغ والاستمرار، وأنّ الأسوة شي ء لا بدّ من تحقيقها بل هي محقّقة بالفعل، فهو من قبيل أَتى أَمْرُ اللَّهِ النّحل: 1، حيث يعدّ الأمر حتميّ الوقوع كالمحقّق بالفعل. أو أنّ الأسوة ثابتة في النّبيّ فعلا، والمطلوب من المؤمنين التّأسّي به وجعله أسوة. وهذا ما يسجّل ضرورة تحسين الوضع الاجتماعيّ والسّياسيّ للمسلمين.
على أنّ قوله: (لكم) بدل (عليكم) يدلّ على أنّ الأسوة مع فرضها وضرورتها لا تعدّ كلفة عليهم بل هي منفعة كبيرة لهم، لا تقوم جماعتهم إلّا بها، وأنّ وجود النّبيّ- بما فيه من الأسوة- رحمة لهم، كما هو رحمة للعالمين.
وسابعا: خصّ اللّه في الآية الأولى والأخيرة الأسوة الحسنة بمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر، وهذا يشعر بوطأة أمرها؛ بحيث لا يقوم بشأنها إلّا المؤمن المخلص الّذي يرجو اللّه واليوم الآخر، ولا يعبأ بالحياة العاجلة ولذّاتها.
وهذا ما نصّ عليه الطّباطبائيّ بقوله:"و إنّما يتّصف بها جميع من تلبّس بحقيقة الإيمان". وابتدءتا باللّام وسنبحثهما.
وثامنا: كرّرت"الأسوة"في آيتي الممتحنة تأكيدا وتقريرا، وفي الإتيان بالضّمير (فيهم) في الثّانية الرّاجع إلى (ابرهيم والّذين معه) في الأولى تسجيل للتّقرير:
ولم يفصل بينهما سوى: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ... ، وسوى نداء إبراهيم ودعائه رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ... * رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... ثمّ رجع إلى الأسوة بتشديد أكثر حيث قال بدل قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ بزيادة اللّام مثل الأولى.
وهي على قول الزّمخشريّ- وتبعه أبو حيّان-