المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 399
مثل: جاءني رجل فضربت الرّجل. ويفيد التّفخيم أو التّحقير أيضا، والجملة الثّانية ردّ لقولهم، وأريد به:
أنّكم أنتم الكذّابون الأشرون، وسيتبيّن ذلك.
وثانيا: يبدو أنّ مجي ء هذا اللّفظ- على قلّته- في القرآن في سورة القمر الّتي رويّ آياتها"راء"لرعاية الرّويّ، وهذا هو الغالب في كلّ لفظ شذّ وروده في القرآن في آخر الآيات.
وثالثا: يبدو أنّ"أشرا"أبلغ في معناه من"البطر"كما أنّ البطر- على ما قاله الرّاغب- أبلغ من الفرح. والفرح منه ممدوح، مثل: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا يونس: 58، ومنه مذموم مثل: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ القصص: 76، وأمّا الأشر فهو- كما قلنا- يستعمل دائما في ذمّ الإنسان.
ورابعا: وصف الكذّاب مع الأشر، فيه تأكيد يدلّ على منتهى الفرح والبطر. كما أنّ الكذّاب مبالغة في الكذب، فالمراد أنّه يكذب كثيرا، وهو فرح بذلك لا يبالي بما يقول وبما يقال فيه. كما يدلّ على عجلة وحدّة، كأنّه منشار يقطع الفكر والعمل، ومثل المنشار يردّ النّجارة، واللّه تعالى يردّ عليهم بمثل ذلك، ففي الآيتين افتراء وردّ عليه مثل عمل المنشار.
وخامسا: مدار الآيتين ذمّ لقوم ثمود الّذين ينعتهم القرآن بأنّهم كانوا أشدّاء فارهين: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ الشّعراء: 149، فهم كانوا يتحمّلون المشاقّ في نحت الجبال بالمناشير كعادة لهم. فمن هذا المنطلق قاسوا النّبيّ"صالحا"بأنفسهم، ووصموه بالبطر في القول والحدّة في ادّعاء النّبوّة، وأنّه (كذّاب اشر) . فردّ اللّه عليهم بأنّهم سيعلمون غدا يوم تبلى السّرائر وتنجلي البواطن أيّهما المتّصف بذلك: النّبيّ"صالح"أم قومه"ثمود"؟
وإنّ سيرتهم في الحياة وشظف عيشهم، نعم الشّاهد على أنّهم المتّصفون بتلك الصّفات وستزيد اشتدادا وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا الإسراء: 72.