المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 130
والكلمة فيما قالوا: معرّبة. وقد عرفنا العربيّة فيما تأخذ من ألفاظ أعجميّة، تعطيها حسّ الدّلالة من مادّتها أو ممّا استعملتها فيه. وهي قد استعملت الإبّالة في الحزمة من الحطب، والإبل المؤبّلة: المجموعة.
وكرّرت الباء واللّام في كلّ ما فيه ملحظ اختلاط واضطراب، مأخوذا من بلبلة الأسنّة، أي اختلاطها، وبلبل القوم: هيّجهم. ومنه البلبلة في عجمة اللّسان واضطراب مسلكه في النّطق من اختلاط الألسنة.
والبلبل للطّائر المعروف، ينطق مردّدا ما يسمعه دون وعي أو إبابة. وفارقت بين الحسّيّ في البلبلة والمعنويّ في البلبال، للهمّ الشّديد يضطرب له البال من اختلاط الوساوس، وكثرة الهواجس. وكلّ ذلك ممّا يعطي كلمة"أبابيل"حسّ التّأبيل والبلبلة والبلبال.
ثمّ تأخذ من سياق الآية ما في شرح ابن عبّاس من"بلبلة رؤوسهم بما تنقل من حجارة"، وإن قصّرت جملة"تنقل من حجارة"، عن التّعبير القرآنيّ:
تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ الفيل: 4، وقصّر الشّرح"تبلبل عليهم رؤوسهم"عن التّدمير السّاحق الماحق، في قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ الفيل: 5، فضلا عمّا لا وجه له من تقييد نقل الحجارة بمناقيرها.
والآية أطلقت الرّمي من كلّ قيد، بالمناقير أو بالمخالب ... ، واللّه أعلم. (الإعجاز البيانيّ: 386)
المصطفويّ: طائرات قطيعة قطيعة لها القدرة والمقاومة والاستقامة والصّبر حتّى ينلن ما يردن.
الأصول اللّغويّة
1 -الأصل فيه الكثرة- كما سيأتي في"إبل"- ولا يخرج عن دائرة هذا المعنى مطلقا، وقد أطبقت أقوال اللّغويّين على ذلك. والعرب تستعمل هذا اللّفظ صفة على الدّوام؛ فإذا ما أرادوا أن يمعنوا في موصوف ويبالغوا فيه استعملوه صفة له، فيقولون: طير أبابيل، وخيل أبابيل، لبيان كثرتها. ويقولون أيضا: جاءت إبلك أبابيل، وجاءت الخيل أبابيل، للمبالغة في وصف كثرتها عند المجي ء.
2 -وإذا كان اللّغويّون اتّفقوا في معناه، فالنّحويّون تفرّقوا في مبناه، فهم مختلفون في هل أنّه جمع أو اسم جمع؟ والّذين اتّفقوا في كونه جمعا اختلفوا في واحده على أقوال: فقيل: هو إبّيل، مثل: سكّين وسكاكين. وقيل:
إبّول، مثل: عجّول وعجاجيل. وقيل: إبّال، مثل: دينار ودنانير. وقيل: إبّالة، مثل: صنّارة وصنانير. وقيل:
أبّالة. وقيل: أبّال.
3 -فمن ذهب إلى كونه اسم جمع استدلّ بالسّماع، وجعله مثل الشّعارير والشّعاليل والعبابيد وغيرها من الألفاظ الّتي ليس لها مفرد في اللّغة. ومن قال بجمعه استدلّ بالقياس، ومثّل بالألفاظ الآنفة الذّكر. إلّا أنّ قياسه بلفظ"إيبالة"غير مستقيم، لأنّه على وزن"إفعالة"ولفظ"دينار"على وزن"فعّال"على الصّحيح، فهو مثال إبّال لا إيبالة.
وقياس واحد"أبابيل"بلفظي: أبّال وأبّالة، غير معروف في اللّغة، وإلّا لذكروا مثالا لكلّ منهما. ولكنّ هذين الوزنين يطّردان في المبالغة، مثل: نوّاح ونوّاحة،