فهرس الكتاب

الصفحة 1226 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 409

المطبقة. وجعلها المفسّرون من قبيل الإسناد المجازيّ، فقالوا: أي مطبقة الأبواب، ومنهم من قال: أراد إحاطة النّار بهم من جميع الجوانب، وهو الظّاهر الوافي بالمقصود هنا، فلا داعي لإطلاق المجاز بتقدير"الأبواب"، ولو كان هناك مجاز فهو من قبيل الاستعارة تشبيها للنّار بالأبواب، أي أنّها أطبقت عليهم كما تطبق الأبواب على ما خلفها.

وفي الآية الثّالثة جعل المفسّرون"الوصيد"بمعنى الباب أو الفناء؛ فمن ذهب إلى المعنى الأوّل نظر إلى حال أصحاب الكهف وحال كلبهم، فهم كانوا على وجل من أن يدركهم قومهم ويعيدوهم في ملّتهم، فجعلوا كلبهم بالباب يحرسهم، ثمّ إنّ الكلب جبل على حراسة صاحبه والذّود عن ماله، فلا يتحقّق هذا المعنى إلّا بجعل الوصيد بمعنى الباب دون الفناء.

ومن ذهب إلى المعنى الثّاني نظر إلى كون الكهف لا باب له، فجعل الوصيد بمعنى الفناء اضطرارا. ولكن هذا الرّأي ليس بشي ء، لأنّ الباب يطلق على المدخل وإن كان لا مصراع له.

3 -ويبيّن سياق الآيتين إحاطة النّار واستعلاءها عليهم: عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ البلد: 20، وإِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ الهمزة: 8. وتشدّد كلمة"على"معنى الإطباق وتكمّله بإضافة عنصر"العلوّ"إليه متّصفة به النّار أيضا. وهذا يدعم ما اخترناه من عدم مناسبة تقدير"الأبواب"، وقد استقت الدّكتورة بنت الشّاطئ معنى الإطباق من (عليهم) وليس بشي ء، فلاحظ.

كما يناسب هذا السّياق قوله: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ... فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ الهمزة: 7 - 9، أي أنّ النّار لا تحيط بهم وتستعلي عليهم فحسب، بل تنفذ إلى باطنهم وأفئدتهم فتحرق جوفهم كما تحرق بشرتهم، وتؤذي أرواحهم كما تؤذي أجسامهم. وحينما تنفذ هذه النّار تكون في صورة عمد ممدّدة، وهذا تقرير لسلطانها واقتدارها على النّفوذ. أو أنّ الأبواب- كما قيل- تطبّق عليهم. ومدّ العمد عليها استيثاقا من عدم اقتدارهم على فتحها، وسدّ سبل الخلاص منها.

4 -ولعلّ الإتيان بلفظ (نار) و (نار اللّه) منكّرا تارة ومضافا إلى اللّه أخرى، وانفراد (مؤصدة) بصيغة التّأنيث والتّنكير في آخر سورتين مكّيّتين، تصوير لتلك العاقبة المشؤومة الّتي لا يعلمها إلّا اللّه؛ تختم بها حياتهم في الدّنيا، وينتهي إليها أمرهم في الآخرة، كما هو تصوير لحالتهم النّفسيّة- بالفعل- وضيق معيشتهم بمكّة حينذاك.

قال البروسويّ: فيه إشارة إلى أنّ نار الحجاب والخذلان والخسران مؤصدة على النّفس الأمّارة.

وقال غيره: لا يخرج منها غمّ ولا يدخل فيها روح إلى آخر الأبد.

وقيل: لا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها إلى آخر الأبد.

وقيل: هو تأكيد للإياس من الخروج.

وكلّ ذلك تعبير عن حقيقة حالهم وختام أمرهم.

5 -وأمّا الوصيد فقد قيل في معناه: إنّه الباب أو الفناء أو العتبة أو بيت من الحجارة في الجبل.

وأنسب هذه الأقوال هنا أحد الثّلاثة الأولى دون الأخير. وعلى رأي"بنت الشّاطئ"أنّه الباب الموصد بإحكام، كما أنّ الإيصاد عندها هو الإغلاق بإحكام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت