فهرس الكتاب

الصفحة 1277 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 460

ينطوي في فَلا تَقُلْ لَهُما.

وثالثا: على الرّغم من أنّ (أفّ) ليس بذي بال عند العرب، إلّا أنّ القرآن استعملها في عقوق الوالدين في (1 و 2) ؛ إشعارا بأنّ هذا أدنى إهانة للوالدين، وهي ممنوعة، فكيف بالشّتم والضّرب والقتل والنّهب ونحوها. وهذا هو المفهوم الموافق عند علماء علم الأصول.

وأمّا قول إبراهيم في"3"فهو خطاب للمشركين وآلهتهم، فهو تحقير لهم من دون شتم، فيبدو أنّه عليه السّلام اكتفى بأدنى الإزراء بهم أو أبدى استقذاره لآلهتهم مبالغة في بطلانها.

ورابعا: أنّها في الأوليين جاءت فيها أيضا وفي سياق عاطفيّ يذكّر الإنسان بحقّ الوالدين وحنانهما على الولد، وما تحمّلاه- ولا سيّما الأمّ- في تنشئته، وبلوغ أحدهما أو كلاهما مبلغ الكبر والشّيخوخة، ويصبحا في هذه المرحلة متذمّرين وممتعضين، كما يذكّر استغاثتهما لنجاة الابن وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ الأحقاف: 17،"و الويل"- هنا- كلمة تحسّر، تحكي ودّ قائلها لمخاطبه، لاحظ"و ي ل". كما أنّ القرآن ينهى في هذا السّياق عن نهرهما (و لا تنهرهما) ، ويأمر بالقول الحسن لهما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا.

وخامسا: أنّ (أفّ) قرئ مخفّفا ومثقّلا، وهذا بسبب اختلاف اللّغات واللّهجات، كما صرّح به الطّوسيّ، أو بحسب شدّة التّضجّر وخفّته كما يقتضيه الطّبع. ففي التّضجّر الخفيف يسبق اللّسان"أف"مخفّفا، وعند التّضجّر الشّديد يتسرّع على اللّسان"أفّ"مشدّدا.

ويؤيّد الوجه الأوّل أنّ سائر القراءات في القرآن كثيرا ما جاءت على حسب اللّغات أيضا، فكلّ قبيلة من العرب تتلفّظ به بحسب لهجتها؛ فيسوغ لها قراءته بها استسهالا ومسايرة لعادتها. وأنّ النّبيّ لم يمنع ذلك بل أجازه، كما جاء في الرّواية"نزل القرآن على سبعة أوجه"على كلام فيه. ومؤدّى ذلك أنّ اللّفظ نزل بلا لهجة، وفيها ايضا وأوكل التّلفّظ به إلى اللّهجات، أو نزل بلهجة النّبيّ وأجيز لغيره قراءته حسب لهجته هو، ولم يحتّم عليه اتّباع النّبيّ في لهجته الخاصّة بقبيلته من قريش. فهذا يخرج القرآن عن طلاقته على لسان العرب، ويجعله ثقيلا عليهم. لاحظ بحث القراءات في"المدخل".

ويؤيّد الوجه الثّاني قراءة (اف) مخفّفا- كما عن ابن عبّاس- في (1) فقط، لأنّه أخفّ تضجّرا بالنّسبة إلى الوالدين دون (2 و 3) .

وسادسا: جاء (افّ) مبنيّة دائما، مقولة للقول في الآية الأولى بصورة نهي: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، وفي الثّانية حكاية عن ولد: قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍ ولعلّه ابن نوح أو بعض المسلمين، كما في أسباب النّزول. وأمّا في الثّالثة فجاء حكاية على لسان إبراهيم عليه السّلام؛ إذ قال لقومه وهو بصدد توبيخهم على عبادة الأصنام: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وهذا يجعلنا نطمئنّ بأنّها اسم صوت أو اسم فعل، وإلّا لجاءت معربة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت