فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 459

حاربكم، أي مسالم ومحارب. ويبدي غياب الفاعل ضعف الفعل لهذه المادّة.

4 -واختلفوا في"أفّ"على قولين:

الأوّل: اسم صوت يصدر عن الإنسان عند التّضجّر؛ مثل شيب شيب، وهي حكاية جرع الإبل الماء.

والثّاني: اسم فعل. ثمّ اختلفوا فيه أيضا، فقيل: هو اسم فعل ماض بمعنى تضجّر، مثل هيهات. أو اسم فعل مضارع بمعنى أتضجّر، مثل آه. أو اسم فعل أمر بمعنى اترك، مثل صه. أو مصدر بمعنى التّضجّر، مثل ويل.

ولعلّ أصله حكاية لصوت تضجّر الإنسان، فارتقى درجة من سلّم التّطوّر اللّغويّ فأصبح في عداد أسماء الأفعال، ثمّ ارتقى درجة أخرى فاشتقّ منه فعل، كما اشتقّ من الطّقطقة- وهي حكاية حوافر الدّوابّ على الأرض- فعل، يقال: طقطقت الخيل، وحكايتها أيضا حبطقطق. وهذا الاشتقاق يلحظ بوضوح في الألفاظ المعرّبة كلفظ"سمسار"وهو الوسيط بين البائع والمشتري، فإنّهم اشتقّوا منه فعلا ومصدرا بقولهم: سمسر سمسرة.

الاستعمال القرآنيّ

لم يرد في القرآن من هذه المادّة سوى (أفّ) منوّنة بكسرة بناء، وهي- كما ورد في النّصوص- تدلّ على التّنكير، ومن الأنسب- هنا- أن تكون بمثابة اسم صوت تعني قبحا، في الآيات الثّلاث:

1 -فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا الإسراء: 23

2 -وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ الأحقاف: 17

3 -أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ الأنبياء: 67

ويلاحظ أوّلا: أنّ سياق الآية الأولى يختلف عن سياق الآيتين التّاليتين لها؛ فسياقها نهي وأمر، وسياق تلكما الآيتين قصصيّ. ومن الملاحظ أنّ سياق هذه الآيات يخضع للسّياق العامّ لسورها؛ إذ أنّ سورة الإسراء تطغى عليها الأوامر والنّواهي، كالأمر بإيتاء حقّ ذي القربى والمسكين وابن السّبيل، وبالإيفاء بالعهد، وبإيفاء الكيل والوزن. والنّهي عن الشّرك والتّبذير والتّقتير، وقتل الأولاد مخافة الفقر وغيرها.

ويغلب على سياق آيات سورة الأنبياء قصص الأنبياء وأقوامهم، كقصّة إبراهيم وداود وسليمان وغيرهم، أمّا سورة الأحقاف فإنّها تحفل بالمواعظ وقصص الأقوام الماضية كقصّة قوم عاد، دون أن تتعرّض إلى أمر أو نهي.

وثانيا: تختلف الآية الأولى عمّا تلاها أيضا؛ بكون لفظ (أفّ) فيها ليس له متعلّق، كما في (افّ لكم) و (أفّ لكما) ، فهو على أصله، لأنّ اسم الصّوت غير عامل ولا تؤثّر فيه العوامل. وأمّا المتعلّق في الآيتين الأخيرتين فهو للتّأكيد، كما يقال مثلا: إليّ إليّ، أي أقبل، فلفظ"إليّ"الأوّل مجز، إلّا أنّ اللّفظ الثّاني جاء لتأكيد الطّلب، وكذا الأمر مع (افّ لكم) و (افّ لكما) ؛ فإنّ كلّا منهما مبتدأ وخبر، واللّام فيهما متعلّقة بمحذوف هو الخبر أي أفّ، ثابت لكم أو لكما. ولك أن تقول: متعلّقه في الأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت