المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 474
ذي العرش، وقد وسع كرسيّه السّماوات والأرض.
وبالّذي أصبح معلّما للنّبيّ صلّى اللّه عليه واله وللأنبياء قبله؟
فعلمه وقدرته مستمدّان من اللّه الّذي لا حدّ ولا نهاية لعلمه وقدرته، أي أنّه اتّصل باللّامتناهي، فأصبح لا يتناهي في صفاته وكماله.
تاسعا: إنّ آيات (1 و 2) توصيف للقرآن متعلّقا بالرّسول، فالقرآن لا شكّ أنّه مبدأ يوسّع أفق رؤية النّبيّ صلّى اللّه عليه واله، أمّا الآية (3) مع أنّها- بملاحظة ما قبلها- ليست منقطعة عن الوحي والرّسالة، فقد جاءت بشأن النّاس مرتبطا بآيات اللّه، ومعنى هذا أنّ العالم بما فيه من الآيات الكونيّة، سواء في الأرض أم في السّماء أو في الأنفس، آفاق للنّاس، كما أنّ القرآن بما فيه من الآيات المنزلة، آفاق للرّسول صلّى اللّه عليه واله، فالنّبيّ صلّى اللّه عليه واله يرى في القرآن ما يراه النّاس في الكون، وأنّ ما في القرآن يفسّره ما في الكون، وأنّ أفق الوحي يحاذي أفق الخلق وكلاهما لا يتناهيان، وأنّ آفاق الوحي قد انتهت لفظا، أمّا المعاني فهي كعديلها- آفاق الخلق- لا تنقطع أبدا، وستتلى آياتها على النّاس ويهتدون بهداها مدى الزّمان.
وهذه بشرى للبشر بأنّ معرفتهم بأسرار الكون ستزداد وتدوم، لكن بما هي آيات اللّه لا آيات الطّبيعة، كما أنّ علمهم بأسرار الوحي وما يحتوي عليه القرآن سوف يتّسع ولا ينقطع ولا ينتهي.
عاشرا: ما أومأنا إليه خلال البحث أنّ الرّؤية والأفق يشملان المحسوس والمعقول له شاهد من الآيات نفسها، فقوله في (3) : وَفِي أَنْفُسِهِمْ يعمّ الجسم والعقل. والرّؤية العقليّة هي معقولة وليست بمحسوسة.
وجاء بعدها قوله: أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ وهو يعمّ الدّارين، ولقاء اللّه في الدّارين معقول وليس بمحسوس على خلاف من الأشاعرة في الدّار الآخرة.
وكذلك قوله: أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ إشارة إلى معرفة اللّه باللّه بشهود القلب من دون النّظر إلى الآيات، ويعبّرون عنه ب"برهان الصّدّيقين".
وفي ذيل (1) قوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى جمع بين رؤية الفؤاد ورؤية البصر.
ثمّ إنّ في هذه الآيات أسرارا هامّة بشأن الوحي والرّسالة وشهود اللّه، ليس هنا موضع ذكرها.