فهرس الكتاب

الصفحة 1290 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 473

الّذي هو مركز هذه الدّائرة المتكوّنة من التقاء الأرض والسّماء على امتداد البصر- يجد نفسه كلّما تحرّك تغيّر الأفق الّذي من حوله بحسب حركته؛ ليظلّ هو كلّما انتقل من موضع إلى آخر مركزا لها. فتتعدّد الآفاق وتكثر بحسب تعدّد حركة الإنسان وكثرتها أو بحسب الجهات الأربع حوله.

ومن هنا تأتي (الافاق) إشارة إلى اللّامحدود واللّامتناهي في مقابلة النّفس ذات الحجم المحدود والمتناهي فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ في ذلك العالم الواسع وفي هذا الجرم الصّغير. ولذا كانت"الايات"أيضا بصيغة الجمع تركيزا لمعنى اللّامحدوديّة، واللّامحدود في (الافاق) .

رابعا: أمّا ماهيّة (الافق الاعلى) فلا مجال إلى الوصول إلى استكناه حقيقتها، وإنّما نكتفي ببيان أنّها أعلى ما يمكن أن يعيه العقل البشريّ من نهايات الكون العليا وطبقاته الّتي تسمو فيها واحدة على أخرى.

ولا نستطيع الأخذ بتحديد بعض القدماء من أنّه أفق عالم العقول مثلا أو ما شابهه، بل لا نتجاوز القول بأنّ التّركيب هنا دالّ على التّحديد وعلى العلوّ؛ وتبقى الكيفيّة في ضمير الغيب.

خامسا: وكذا القول في ماهيّة (الافق المبين) فلاندري وجه من رأى أنّه دالّ على مطلع الشّمس الأعلى، وإنّما قصارى ما يمكن الوصول إليه أنّ التّركيب يشير إلى تبيّن الحقيقة في حدود واضحة مبيّنة، وكذا تبقى الكيفيّة قابلة للأخذ والعطاء.

سادسا: ثمّ إنّ (الافق الاعلى) قد يختلف عن (الافق المبين) ودلّ هذا، على التّعدّد، حتّى إذا ما قلنا:"آفاق"أشرنا إلى ذلك التّعدّد بصيغة الجمع. غير أن لفظة (سنريهم) تقيّد المطلق بالقدرة البشريّة، فلا يكون للبشر أن يصلوا إلى رؤية (الافق الاعلى) ولا إلى (الافق المبين) وإنّما حسبهم هذه الآفاق الّتي تدركها أبصارهم وتمثّل غاية معرفتهم في مقابل (انفسهم) الّتي تحبسها جلودهم.

سابعا: جاء"أفق"مقرونا بالرّؤية صراحة أو تقديرا، كما في (1) فكاد يكون علاقة بين المفهومين، فالأفق ما يرى حول الإنسان وليس مطلق ما أحاط به كما نطقت به نصوص اللّغة، فالأطراف إذا كانت مرئيّة بالبصر فهي آفاق. وهذه نكتة لا ينبغي التّغافل عنها.

ثامنا: المادّة كما قلنا تدلّ على السّعة، وهذا متلائم تماما مع ما جاء في نزول (1 و2) من أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه واله نظر ما وسع نظره، وفتح بصره فرأى آفاقا لا تتناهى، ملأها جبرائيل بجناحيه، كما أنّه تعالى سيري النّاس آفاقا محسوسة ومعقولة لا حدّ لها، لا في الأرض ولا في السّماء ولا في الأنفس، من أسرار الكون الّتي تنكشف لدى الإنسان مدى الأزمان ولا تنتهي أبدا، كما قال تعالى:

وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لقمان: 27.

وبهذا دلّ ما جاء في وصف أمين الوحي من الأوصاف: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ* مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، فما ظنّك بمن كان مكينا عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت