فهرس الكتاب

الصفحة 1289 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 472

البصر فتكون أفقا له، سواء كان ذلك في حدود البيت، أم في حدود الطّبيعة.

4 -ثمّ تنتقل هذه المعاني لتجتمع في الظّاهرة الطّبيعيّة؛ حيث ينتهي البصر إلى التقاء الأرض والسّماء في الدّائرة الملحوظة من حول الإنسان. ولقد انتجت هذه الظّاهرة، ونعني بها ظاهرة شعور الإنسان بكونه أسيرا ضمن إطار"الأفق"من حوله الّذي هو أشبه ما يكون بإسار الحيوان في"أفقه"، أي جلده، نقول: أنتجت هذه الظّاهرة لدى الإنسان فظهرت في سلوكه وفي شعوره وسائر آدابه. ولربّما كان لهذا الشّعور صداه في أوزان الشّعر العربيّ من حيث رتابة الإيقاع، والدّوائر العروضيّة، وغيرها.

الاستعمال القرآنيّ

جاء الأفق مفردا وجمعا في ثلاث آيات:

1 -إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى النّجم: 4 - 10

2 -إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ* مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ* وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ* وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ* وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ التّكوير: 19 - 24

3 -سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ* أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِ شَيْ ءٍ مُحِيطٌ فصّلت: 53، 54

يلاحظ أوّلا: أنّه قد ارتبط الأفق في القرآن بنحو باللّه تعالى، ففي (1) و (2) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ تعلّق بأمين وحيه جبرئيل، وإليه يرجع الضّمير (هو) و (راه) وهو الموصوف ب (ذو مرّة) و (شديد القوى) ، ومن أرجع الضّميرين إلى اللّه فقد أخطأ. وأمّا في (3) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ فقد تعلّق به تعالى وبآياته مباشرة، واختصاص هذه المادّة باللّه تعالى له معناه كما يأتي.

ثانيا: حينما أفرد لفظ (الأفق) وصف مرّة ب (الاعلى) وأخرى ب (المبين) ، وحينما جمع ب (الافاق) ترك بلا توصيف، وذلك أنّ في الأفق محدوديّة غير واضحة، فكان لا بدّ لها من أن تتوضّح. أمّا في (الافاق) فلا توجد تلك المحدوديّة، بل يوجد الإطلاق بلا حاجة إلى تحديد ولا تقييد بوصف.

ثالثا: ثمّ إنّ لفظة"أفق"لغويّا لها دلالات متعدّدة- كما رأينا- اعتبارا من دلالتها على الجلد وانتهاء بدلالتها على نواحي البيت. فأمّا (الافاق) فهو جمع له لا بمعنى الجلد؛ لأنّه بهذا المعنى يجمع على أفق ومفرده أفيق. وإنّما هو جمع للجوانب والنّواحي، أفي البيت كان ذلك أم في الطّبيعة. ثمّ هي مطلقة، وبهذا الإطلاق أضحت دالّة على الطّبيعة، على تلك الدّائرة الّتي تلتقي فيها الأرض والسّماء من حول الإنسان.

ولمّا كانت الآفاق ليست لها حدود مادّيّة ثابتة، بمعنى أنّ الآفاق تتضمّن تعدّدا وتغيّرا وتشكّلا، فالإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت