المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 513
قد استدلّ على وجود اللّه تعالى بنفسه لنفسه دون أن يكون هذا الاستدلال لقومه كما قال بعض المفسّرين.
ثالثا: وفي الآيات نكات:
1 -اهتدى إبراهيم إلى وجود الخالق جلّ وعلا بالبزوغ والأفول معا؛ إذ لا يتحقّق أحدهما دون الآخر، ولذا وردا معا في هذه الآيات فقط، كما ورد طلوع الشّمس ملازما لغروبها في القرآن. والبزوغ يدلّ على الحدوث، والأفول يدلّ على التّغيّر وعدم الثّبات، وكلاهما يفتقران إلى واجب الوجود يعتمد عليه وجودهما، وهذا الواجب الوجود هو اللّه تعالى.
2 -ومن هنا نهتدي إلى قاعدة فلسفيّة:"كلّ متغيّر حادث"ونجعلها كبرى قياس:"العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث".
3 -قد جاء الأفول في أربع آيات مكّيّة متّصلة في سورة واحدة نفيا لألوهيّة الكواكب. ولعلّ الوجه في ذلك هو أنّ هذه المدينة كانت تعبق برائحة الشّرك، وكان المشركون يعتقدون بكون هذه الأصنام شريكة في الرّبوبيّة. فبيّنت هذه الآيات لهم أنّ الكواكب والشّمس والقمر لم تكن من صنع الإنسان ولها آفاق أوسع؛ لأنّها تتّصف بالأفول، فليست جديرة بأن تشارك اللّه الرّبوبيّة، فكيف بالأصنام الّتي صنعها الإنسان؟ فلا توصف بالرّبوبيّة بطريق أولى.
4 -جاءت صفة الأفول دليلا على عدم ربوبيّة الكوكب؛ لأنّ الأفول يخبر بالفناء والزّوال، وما يكون أبديّا فهو غير أزليّ، وما لم يكن أزليّا وأبديّا فلا يستحقّ الألوهيّة.
5 -قابل الأفول بالبزوغ مرّتين:
1 -فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا ... فَلَمَّا أَفَلَ
2 -فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً ... فَلَمَّا أَفَلَتْ
وهذا موافق تماما لمعناه الأصليّ في اللّغة كما سبق.
6 -استعمل الأفول في نفي ألوهيّة الكواكب وما استعمل الغياب فيها؛ لأنّ الأفول يلحظ فيه معنى الفناء، وهذا المعنى لا يلحظ في الغياب. أو أنّ الأفول يختصّ بالكواكب والشّمس والقمر ولا يستعمل في غيرها.
ولهذا لم يستعمل في القرآن إلّا مع الكواكب، وفي هذه السّورة فقط.
7 -وردت مادّة"أ ف ل"في القرآن بمعيّة كلمات مثل"ربّ"و"حبّ"و"براءة". ولعلّ مردّ ذلك إلى أنّ النّاس كانوا يعتقدون بأثر الكواكب والأجرام السّماويّة في تدبير أحوال الأرض وسكّانها. فلفت إبراهيم أنظارهم إلى ظاهرة أفولها أوّلا بإبطال فكرة تأثيرها؛ لأنّها مخلوقة وليست مستقلّة بذاتها. وإظهار البراءة والانزجار منها؛ لأنّها تفتقر إلى الاستقلال والقيمومة، فهي غير جديرة بالودّ والولاء ثانيا.
ثمّ أرشدهم إلى المدبّر الحقيقيّ للكون وإلى خالق العالم بقوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الأنعام: 79.
8 -وفي هذه الآيات لطائف أخرى سنبحثها في"ج ن ن"و"ب ز غ".