المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 512
في الغروب، وهو في العربيّة منقول من الآفل: المرضع ذهب لبنها.
والأفيل: الفصيل الضّئيل. (الإعجاز البيانيّ: 365)
الأصول اللّغويّة
1 -الأصل في هذه المادّة- كما يستشفّ من النّصوص- غيبوبة النّيّرات في قبالة بزوغها وبه صرّح الرّاغب. ثمّ استعمل في سائر المعاني، مثل: أفول اللّقاح في قرار الرّحم. وإذا حملت الأنثى من البهائم قيل لها: آفل، في قولهم: لبوءة آفل وآفلة.
وإذا ولدت قيل لوليدها: أفيل، أي فصيل؛ فهو"فعيل"بمعنى"مفعول"؛ لأنّ الأمّ حامل وهو محمول عند ما كان جنينا، فأطلق عليه"أفيل"بعد ولادته أيضا تجوّزا. ومنه أيضا: أفول المرضع، أي ذهاب لبنها.
2 -والأفول في معناه الموسّع: الغياب، ولكن ليس كلّ غياب، وإنّما هو غياب في قرار ومكان معلوم؛ فقرار الشّمس البروج الاثنا عشر، وقرار اللّقاح الرّحم، وقرار اللّبن الفرث والدّم.
أمّا الغياب فيلتقي مع الأفول في قولهم: غابت الشّمس؛ لأنّ مكان غيابها معلوم، وهو جهة المغرب.
ويفترق عنه في قولهم: غاب فلان؛ لأنّ مكان غيابه مجهول.
الاستعمال القرآنيّ
ورد الأفول في القرآن في ثلاث آيات مكّيّة متتالية على النّحو الآتي:
1 -فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ الأنعام: 76
2 -فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
الأنعام: 77
3 -فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
الأنعام: 78
يلاحظ أوّلا: أنّ إبراهيم وسم الكوكب في الآية (1) والقمر في (2) والشّمس في (3) بالرّبوبيّة، ثمّ عاد وتراجع عن رأيه، فهجر الكوكب والقمر بعد أفولهما نهارا، وهجر الشّمس بعد أفولها ليلا. وقال بعد الأفول في (1) :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، وهو يفصح عن سريان هذه الكراهية إلى أفول القمر والشّمس أيضا، وإن لم يبدها فيهما. ويفصح قوله أيضا عن حبّه للثّابتين المستقرّين، فهل هذا يعني أنّه لو كان هناك نجم لا يبزغ ولا يأفل يظلّ عليه عاكفا؟ أو أنّه اتّخذ ذلك وسيلة لإفهام الخصم من دون عدوله عن التّوحيد يوما ما؟ وهذا هو الرّاجح عندنا.
ثانيا: لقد استخفّ إبراهيم- قبل الاستدلال على الخالق- بأبيه وقومه بقوله: أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ الأنعام: 74. وقال بعد الاستدلال والميل إلى عبادة اللّه: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الأنعام: 79.
وهذا يدلّ- مع قرائن أخرى- على أنّ إبراهيم عليه السّلام